هل تستطيع «إسرائيل» خوض حرب منفردة على إيران؟
ناصر قنديل
هل تستطيع “إسرائيل” أن تبدأ حرباً على إيران من دون مشاركة أميركية؟ الجواب نعم، فهي تملك الطائرات والصواريخ والمعلومات الاستخبارية التي تمكنها من تنفيذ ضربة واسعة ضد المنشآت النووية والقواعد العسكرية ومراكز إنتاج الصواريخ. لكن السؤال الحقيقي ليس مَن يستطيع إطلاق الرصاصة الأولى، بل مَن يستطيع إدارة ما يليها. وهنا تختلف الصورة؛ تستطيع “إسرائيل” بدء الحرب، لكن إيران تستطيع تحديد كثافتها ومدتها وجغرافيتها. والسؤال هو: هل يكفي الدفاع الصاروخي الإسرائيلي لمواجهة الرد؟
تمتلك “إسرائيل” منظومة متعددة الطبقات، تتقدمها صواريخ «آرو-3» التي تعترض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، ثم «آرو-2» للاعتراض في طبقاته العليا، يليهما «مقلاع داود» ضد بعض الصواريخ الباليستية والتكتيكية. أما «القبة الحديدية» فليست مصمّمة لمواجهة الصواريخ الإيرانية البعيدة المدى، ويبقى دور «باتريوت» محدوداً في الدفاع النقطي. والمشكلة ليست في الكفاءة التقنية، بل في عدد الصواريخ الاعتراضيّة. فقد أشارت تقديرات منشورة في نيسان إلى أن “إسرائيل” استهلكت نحو 122 صاروخاً من مخزون قُدّر بنحو 150 صاروخاً من «آرو-2» و«آرو-3». وسارعت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى مضاعفة الإنتاج، وتحدثت تقارير عن ارتفاع القدرة الصناعية بين سبع وعشر مرات، لكن زيادة الإنتاج لا تعيد بناء المخزون خلال أسابيع. فهذه صواريخ معقدة تحتاج إلى مكونات واختبارات وتعاون صناعي أميركي، فهي صناعة مشتركة مع شركة بوينغ وحجم الإنتاج السنوي منها لا يزيد على 56 صاروخاً. لذلك تستطيع “إسرائيل” مواجهة رد محدود، لكنها لا تملك مظلة غير محدودة أمام حرب استنزاف. والسؤال هنا هو: هل تحدد طبيعة الضربة الإسرائيلية حجم الرد الإيراني؟
الجواب هو بالتأكيد. إذا نفذت “إسرائيل” ضربة محدودة ضد أهداف عسكرية، تستطيع إيران الرد برشقة محسوبة تحفظ الردع ولا تفتح حرباً شاملة. وقد تتمكن “إسرائيل” وحدها من احتواء مثل هذه الجولة. أما إذا استهدفت “إسرائيل” المنشآت النووية الأساسية أو القيادة السياسية والعسكرية أو مخازن الصواريخ والطاقة، فإن إيران ستتعامل مع الهجوم كحرب على بقاء الدولة. وعندها لا يعود الردّ رسالة سياسية، بل حملة عسكرية هدفها تعطيل قدرة “إسرائيل” على مواصلة الحرب. وكلما ارتفع طموح الضربة الأولى، ارتفعت كثافة الرد وطالت مدته. وينقلب السؤال ليصبح: ماذا لو أرادت إيران استنزاف الدفاع خلال يومين؟
إذا أطلقت إيران بين مئتين وأربعمئة صاروخ باليستي خلال ثمان وأربعين ساعة، مع مسيّرات وصواريخ مجنحة وأهداف خداعية، فقد تضطر “إسرائيل” إلى استهلاك عشرات أو مئات الاعتراضات. وهي لن تعترض كل صاروخ، بل ستختار ما يهدد المدن والقواعد والمنشآت الحيوية. لكن المشكلة تظهر في عدد الصواريخ الجاهزة على المنصات، وزمن إعادة التلقيم، وقدرة الرادارات ومراكز القيادة على معالجة أهداف متزامنة. وقد لا تنفد كل الاعتراضات، لكن الدفاع قد ينتقل خلال اليوم الأول من حماية واسعة إلى حماية انتقائية تتركز على المطارات والرادارات ومراكز القيادة. ومع حلول اليوم الثاني تصبح المحافظة على احتياطي لمواجهة موجة لاحقة أهم من اعتراض كل خطر آني. ما يجعل المشاركة الأميركيّة ضرورة وجودية لـ”إسرائيل” لمنع التآكل والانهيار، ويصير السؤال: ماذا تضيف المشاركة الدفاعية الأميركية؟
في الجولات السابقة لم يكن الدفاع إسرائيلياً خالصاً. شاركت بطاريات «ثاد» والمدمرات المزودة بمنظومة «إيجيس» وصواريخ SM-3 وSM-6، إضافة إلى الرادارات والطائرات الأميركية. وأطلقت واشنطن، وفق تقديرات متداولة، أكثر من مئتي صاروخ ثاد وأكثر من مئة صاروخ من عائلتي SM-3 وSM-6. لكن الولايات المتحدة تواجه اليوم أزمة ذخائر معلنة. فقد انخفض مخزون ثاد العالمي إلى أقل من 250–280 صاروخاً وفق تقديرات حديثة، وتراجعت مخزونات باتريوت والصواريخ البعيدة المدى. لذلك تستطيع المشاركة الأميركية تمديد قدرة “إسرائيل” على الصمود، لكنها لا تلغي حدودها. وهنا يطرح سؤال جديد متفرّع عن السؤال الأصلي: هل تبقى المشاركة الأميركيّة دفاعيّة فقط؟
من وجهة النظر الإيرانية، منع الصواريخ من تحقيق أهدافها يمنح “إسرائيل” حرية مواصلة الهجوم، ولذلك يصبح الدفاع الأميركي مشاركة في الحرب. عندها تستطيع إيران استهداف القواعد والرادارات والبطاريات والسفن الأميركية في الخليج(الفارسي) والأردن، وقد تمتدّ الضربات إلى المنشآت التابعة للدول التي تسمح باستخدام أراضيها، إضافة إلى السفن والبوارج الأميركية وحاملات الطائرات، التي قد تصبح مهددة بالغرق مع مخاطر تراجع القدرة الصاروخية الدفاعية. وهنا تظهر المفارقة؛ تضيف أميركا صواريخ إلى المظلة الإسرائيلية، لكنها تفتح في المقابل جبهات تحتاج إلى صواريخ إضافيّة لحماية قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية والأردن والسفن والبوارج والحاملات. فلا يعود مخزون ثاد وباتريوت مخصّصاً لـ”إسرائيل”، بل يتوزّع على مسرح إقليمي واسع. والسؤال الجوهريّ في الحصيلة هو: كم تستطيع إسرائيل الصمود في كل حال من الأحوال؟
أمام رد محدود، يمكنها إدارة جولة قصيرة وحدها. أما أمام رد كثيف مشروط بضربات إسرائيلية جدية ومؤثرة، فقد تدخل مرحلة التقنين خلال أسبوع أو أقل. وإذا شاركت أميركا وبقي الرد محصوراً بـ”إسرائيل”، يمكن تمديد الكفاءة الدفاعية إلى عدة أسابيع. لكن إذا وسعت إيران الحرب إلى القواعد الأميركية والخليج (الفارسي)، تتقلص الفائدة لأن المخزون الاعتراضي يتوزع على عشرات المواقع. وفي الخلاصة، إن “إسرائيل” تستطيع اختيار ساعة بدء الحرب، لكنها لا تستطيع ضمان نهايتها؛ لأن إيران تحدد مقدار الرد، وتقرّر هل تبقى المواجهة ثنائية أم تصبح إقليمية، وتملك عبر هرمز والطاقة القدرة على إدخال السوق العالمي في المعركة. ولذلك تقوم الحرب المنفردة على رهان إسرائيلي واحد: أن تشل الضربة الأولى قدرة إيران على الرد،ّ وهذا رهان تم اختباره وبكامل القدرة الأميركية في حرب الـ 40 يوماً وثبت فشله. وهنا تصبح المعادلة معكوسة: تبدأ “إسرائيل” الحرب، لكن إيران تدير إيقاعها وجغرافيتها ووقت الوصول إلى التسوية التي سوف تكون كل الجهات جزءاً منها.