kayhan.ir

رمز الخبر: 228101
تأريخ النشر : 2026August09 - 21:05

هل تغيّر اتفاقية مكة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

 

ليلى نقولا

اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثّل تحولاً نحو أمن إقليمي متعدد الشركاء وتعزيز الردع الجماعي بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية.

جاء توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتسم بتراجع اليقين الاستراتيجي، وتزايد الشكوك بشأن قدرة وفعالية المظلة الأمنية الأميركية في حماية أمن الخليج (الفارسي)خاصة بعد الحرب على إيران.

تنص الاتفاقية الموقعة بين الأطراف الثلاثة على مبدأ جوهري يتمثل في اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الجميع، مع العمل على تطوير أوجه التعاون الدفاعي بين الأطراف الثلاثة، بالرغم من أنها لم تتحدث بالتفصيل عن الآليات التنفيذية. ورغم الأهمية السياسية للاتفاقية، فإن نجاحها سيعتمد على ما يتم بناؤه فوقها خلال السنوات المقبلة، فحتى الآن، لا توجد قيادة عسكرية موحدة، ولا هياكل مؤسسية دائمة، ولا تعريفات معلنة لآليات اتخاذ القرار أو نطاق الالتزامات العسكرية التفصيلية.

ما هي انعكاسات هذه الاتفاقية على الأمن الإقليمي والدول المعنية؟

أولاً: الاتفاقية في سياق الأمن الإقليمي الشامل

من منظور العلاقات الدولية، تمثل الاتفاقية نموذجاً واضحاً لسلوك "الموازنة" (Balancing)، أي سعي الدول إلى بناء ترتيبات مشتركة لمنع اختلال موازين القوى أو احتكار النفوذ من قبل طرف واحد في الإقليم. وهي تعكس أيضاً اتجاهاً متزايداً نحو ما يمكن تسميته "الأمن متعدد الشركاء" بدلاً من الاعتماد على ضامن خارجي واحد.

تاريخياً، استند الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط عامة والخليج(الفارسي) خاصة إلى توازنات صنعتها قوى الولايات المتحدة. إلا أن الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، أظهرت قدرة إيران على ضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة وتهديد البنى الحيوية في دول الخليج(الفارسي)، خاصة في ظل انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة وإغلاق الممرات البحرية الحيوية.

 لم تؤدِّ الحرب إلى انهيار المظلة الأمنية الأميركية بالكامل، لكنها كشفت حدود قدرتها على منع الخصوم من إلحاق أضرار بالقواعد والمصالح الحيوية في المنطقة. وبالتالي، كشفت حدود فعالية المفاهيم التقليدية للأمن والدفاع، ودفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في أدوات حماية مصالحها الاستراتيجية عبر تنويع الشراكات الأمنية.

وهكذا، تكمن أهمية الاتفاقية في بعدها الردعي أكثر من بعدها القتالي. غالباً، ما يكون الهدف من التحالفات الدفاعية ليس خوض الحروب، بل تقليل احتمالات وقوعها عبر رفع كلفة أي اعتداء محتمل. وعليه، يبدو أن الهدف هو إرسال رسالة إلى أي طرف يفكر في استهداف إحدى الدول الثلاث بأنه سيضطر إلى أخذ إمكانات الأطراف الأخرى في الاعتبار.

ثانياً: انعكاسات الاتفاقية على إيران وحلفائها

خلال الحرب الأخيرة، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على خوض حرب غير متماثلة وفرض تكاليف على الأميركيين ودول الخليج (الفارسي)العربية رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية مع الولايات المتحدة.

من الناحية النظرية، إن ظهور إطار دفاعي يجمع السعودية وتركيا وباكستان يبدو محاولة لخلق معادلة مختلفة بالنسبة إلى إيران ويرسل رسالة سياسية إلى إيران مفادها أن موازين القوى الإقليمية ستتغير بعد الاتفاق. في الوقت نفسه، من الخطأ المبالغة في تقدير أثر الاتفاقية على قدرة إيران على الردّ على القواعد الأميركية في المنطقة، خاصة في ظل الموقف الإيراني الذي يؤكد أن الدول العربية ليست مستهدفة بحد ذاتها.

وكذلك، من غير المؤكد أن هذه الاتفاقية ستمنع القوى اليمنية من استهداف المملكة العربية السعودية، خاصة أن السعودية كانت قد أنشأت تحالفات سابقة للتعامل عسكرياً مع الملف اليمني، لم تؤدِ إلى نتائج حاسمة عسكرياً.

ثالثاً: انعكاس الاتفاقية على "إسرائيل"

بالرغم من أن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" لا تبدو تحالفاً موجهاً ضد "إسرائيل" كون الدول الثلاث حليفة للولايات المتحدة، غير أن ذلك لا ينفي أن الاتفاقية قد تسهم عملياً في تقييد التفوق النسبي الذي تمتعت به "إسرائيل" خلال السنوات الماضية.

تمثل اتفاقية مكة محاولة لتأسيس مستوى جديد من الردع الجماعي بين ثلاث دول تمتلك قدرات متكاملة. السعودية تملك ثقلًا اقتصادياً ومالياً عالمياً، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متقدمة وخبرة عملياتية واسعة، في حين تعد باكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي وصاحبة مؤسسة عسكرية كبيرة ومحترفة.

إن ما سبق يشير الى أن الاتفاقية (إذا ما تمّ السير بها تنفيذياً) تضيف وزناً جديداً إلى معادلات القوة الإقليمية، وهو ما يمكن أن يصدّ محاولات "إسرائيل" للهيمنة على الشرق الأوسط، أو تحقيق "أوهام" نتنياهو بأن "إسرائيل" ستهيمن على "منطقة ممتدة من الهند إلى كوش" (قاله خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي).

من هذا المنطلق، إذا نجحت الدول الثلاث في تحويل الاتفاقية من إطار سياسي إلى منظومة مؤسسية للتعاون الدفاعي والتقني والاستخباري، فإن ذلك قد يؤثر مستقبلاً في هامش الحركة الاستراتيجية الإسرائيلية وستنظر إليها"إسرائيل" باعتبارها مؤشراً على نشوء قطب إقليمي جديد يتمتع بدرجة أعلى من الاستقلالية الاستراتيجية.

لكن، وبالرغم من كل ما سبق، فإن الاتفاقية تواجه تحديات عدّة، أبرزها اختلاف المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث: تركيا عضو في حلف "الناتو" وتتحرك ضمن بيئة أمنية أوروبية ومتوسطية خاصة بها، بينما ترتبط باكستان بحسابات أمنية معقدة في جنوب آسيا، في حين تركّز السعودية على أمن الخليج (الفارسي)والبحر الأحمر والتحول الاقتصادي المرتبط برؤية 2030. بالتالي، يقاس نجاح الاتفاقية ليس بمجرد استمرارها، بل بقدرتها على إدارة هذه الاختلافات وتحويلها إلى عناصر تكامل، كذلك قدرة الأطراف على تحويل الاتفاق الورقي إلى آليات تنفيذية واضحة، خاصة في إطار "الدفاع المشترك" ضد التهديدات.

في النتيجة، وبغض النظر عن مسار الاتفاقية ومستقبلها، فإن أهميتها لا تكمن فقط في الالتزام الذي تضمنته، وإنما في كونها تعكس تحولاً متزايداً في طريقة تفكير دول المنطقة بأمنها: البحث عن ترتيبات نابعة من مصالحها الذاتية، لا عن افتراض الاعتماد الدائم على قوة خارجية واحدة. ومن هذه الزاوية، تمثل اتفاقية مكة مؤشراً مهماً على التحولات الجارية في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

captcha