هل يتقاطع الدور التركي في لبنان مع الإرادة السعودية، وإلى أي مدى؟
هدى رزق
التنافس التركي–السعودي في لبنان ضمن تنسيق إقليمي يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني وتعزيز دور الدولة، مع تباين حول حجم الحضور التركي وحدوده.
شكَّل صعود السلطة الجديدة في سوريا برعاية تركية تحوّلاً استراتيجياً أضعفَ محور المقاومة؛ الأمر الذي سمح بالتمدد التركي في بيروت مستنداً إلى ثقله الجديد في دمشق. تسعى تركيا إلى موازنة وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان عبر طرح نفسها كبديل إقليمي قوي. وبما أن طهران وأنقرة تحافظان على قنوات دبلوماسية وتجارية مفتوحة، فالأمر يمنع تحوّل صراع النفوذ في لبنان وسوريا إلى مواجهة عسكرية بينهما؛ لذلك سيستعيضان عنه بالضغوط السياسية.
لا شك أن أنقرة ترغب في توسيع نفوذها، وحماية مصالحها الاستراتيجية في ملفات الطاقة وشرق المتوسط، إلى جانب تعزيز الشراكة الاقتصادية في لبنان، لكنها تعي تماماً أهمية النفوذ السياسي من البوابة السورية ومن التحالفات التي بنتها مع المملكة العربية السعودية، التي تتفق وإياها على تحقيق عدة أهداف رئيسية عبر القنوات الرسمية ومؤسسات الدولة اللبنانية لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، ولضمان وجود دولة لبنانية مستقرة لا تُستخدم أراضيها كمنطلق لتهديد الأمن في سوريا ومصالح تركيا هناك، ما يشكل أولوية بالنسبة لها.
تبدي تركيا اهتماماً بالمشاركة في المنظومات الأمنية الإقليمية، كطرح فكرة المشاركة في قوات دولية لدعم الاستقرار، وفي الوقت عينه مساعدة الجيش اللبناني عبر تسويق وبيع المنتجات الدفاعية التركية؛ ما يمنحها دوراً في تنويع الشراكات الأمنية لبيروت. وتحاول عبر علاقتها المتوازنة مع واشنطن وطهران ودول الخليج لعب دور الوسيط في ملفات كسلاح حزب الله والاستقرار الحدودي.
العامل الاقتصادي مهم جداً بالنسبة إلى أنقرة، فهي تسعى لمنع قيام أي تحالفات أو معادلات طاقة بحرية تجمع اليونان وقبرص و"إسرائيل" تؤدي إلى عزلها. وقد أبدت تحفظات سياسية على بعض الاتفاقيات الحدودية (مثل الاتفاق اللبناني- القبرصي) للحفاظ على نفوذها في صراع الغاز وحقول النفط. وتطمح إلى ربط لبنان بمشروع سكة حديد الحجاز التاريخي عبر خطوط طرابلس-حمص وبيروت-دمشق، كذلك إلى فوز الشركات التركية بفرصة إعادة بناء البنية التحتية في لبنان والموانئ البحرية، وتعزيز موقع تركيا كأحد أبرز الشركاء التجاريين وموردي السلع الحيوية إلى السوق اللبناني.
إلا أن الدور التركي يصطدم بالفيتو الإسرائيلي الذي يرفض أي وجود عسكري أو أمني تركي في الجنوب، بالإضافة إلى التحفظات الفرنسية وحتى الأميركية التي تعدّ لبنان جزءاً من مشروعها السياسي.
تركيا والعربية السعودية: حدود التوافق والتباعد في لبنان
التحول الاستراتيجي بين تركيا والرياض والتنسيق بينهما في ملفات المنطقة شكَّلا خطوة كبيرة، ولا سيما بعد توقيع البلدين بالاشتراك مع باكستان على اتفاقية دفاعية مشتركة في أغسطس 2026 في جدة لمواجهة التوترات الإقليمية. ولكن ليس واضحاً ماهية هذه التوترات، إلا أن الاتفاق يبدو ضمن حدود معينة ما دام يصب في تقويض النفوذ الإيراني إقليمياً، ومنع الهيمنة الإسرائيلية، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية.
تبارك السعودية جهود تركيا لتسهيل الحوار بين حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والسلطة الجديدة في دمشق لتنظيم ملفات الحدود واللاجئين والأمن المشترك. وتدعم الرياض ربط لبنان بمشاريع النقل الإقليمية وسكك الحديد؛ كونه يتقاطع مع رؤية السعودية الرامية إلى إعادة دمج بيروت في المحيط العربي بعيداً عن الاقتصاد الموازي لحزب الله، ما يطرح تساؤلات حول قدرة كل من تركيا والسعودية على اللعب في مساحة البيئة الشيعية في لبنان. يتناغم المشروع السعودي مع رغبة أميركا ومشروعها، وهذا ما تجسد عملياً في المفاوضات الجارية بين الدولة اللبنانية والكيان الإسرائيلي.
لكن، رغم هذا التنسيق، يضع المبعوث الأمير يزيد بن فرحان سقوفاً واضحة للتحرك التركي؛ فالمنافسة كبيرة في الساحة السنية بين الدولتين. تشترط الرياض أن يمر الدور التركي عبر رئاسة الجمهورية والجيش والحكومة. وتستفيد تركيا البراغماتية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً من لبنان عبر التزامها بالمنظومة العربية؛ إذ يمنحها هذا الالتزام غطاءً شرعياً يسهل تمدد مصالحها من دون صدام مع القوى الإقليمية الكبرى.
تستفيد تركيا من موقع لبنان كحلقة وصل جغرافية لربط صادراتها بمشاريع النقل الإقليمية وسكك الحديد الممتدة نحو عمق الخليج العربي؛ حيث تفوز الشركات التركية بحصة كبرى في عقود إعادة إعمار البنية التحتية والموانئ اللبنانية بتمويل عربي. ويضمن الاستقرار المدعوم عربياً في بيروت لتركيا سوقاً مستدامة لتصريف بضائعها ومنتجاتها الغذائية والصناعية. كما أن التنسيق مع لبنان يمنح تركيا أوراق قوة دبلوماسية وقانونية في صراع ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة ضد التحالف اليوناني القبرصي - الإسرائيلي.
يخضع التنافس التركي- السعودي اليوم لقواعد اشتباك جديدة فرضها التحالف الاستراتيجي الأخير بين الرياض وأنقرة: "تنافس ناعم ومحسوب". لتركيا في طرابلس وبعض قرى العرقوب والبقاع علاقات وأدوات ثقافية واجتماعية وعاطفية، لا سيما أن العلاقة مع طرابلس تضم عائلات من أصول تركمانية، وقد مُنحت الجنسية التركية لآلاف اللبنانيين في الشمال وعكار. أما وكالة التنسيق والتعاون التركية فتنشط في ترميم الآثار العثمانية، ودعم المستشفيات، تقديم المساعدات الغذائية المباشرة؛ ما خلق قاعدة شعبية تدين بالولاء لـ "النموذج التركي". ويكتسب تبني أنقرة خطاب المدافع عن القضايا الإسلامية صدى واسعاً لدى الشارع السني المحافظ في الشمال والبقاع. تُعد طرابلس الأرض الخصبة للتنافس؛ حيث نجحت تركيا في بناء حاضنة شعبية قوية ومستقلة مستغلة غياب الدعم المالي التقليدي للمدينة، بينما تحافظ السعودية على ولاء القيادات السياسية التقليدية والنخب التجارية والدينية.
يتخذ التنافس طابعاً عشائرياً ومناطقياً؛ حيث تميل بعض القرى الحدودية والفقيرة للتعاطف مع المساعدات التركية المباشرة، بينما يظل النفوذ السعودي حاكماً عبر شبكات العلاقات مع العشائر العربية الموجودة في البقاع والشمال وفي خلدة.
وهناك قبول سعودي ضمني بالدور الإغاثي والتنموي التركي في الشمال لمواجهة الفقر والحد من التغلغل الإيراني. تلتزم تركيا بعدم تحويل نفوذها الشعبي إلى رافعة لإنشاء قوى مسلحة أو ميليشيات، وتتجنب تصادم مرجعياتها الدينية مع "دار الفتوى" المدعومة سعودياً؛ ما يجعل التنافس محصوراً في إطار "كسب القلوب والعقول" دون تهديد المصالح السياسية العليا للرياض.
موقف المسيحيين في لبنان من الدور التركي
يرحب التيار اليميني المتمثل بالكتائب والقوات اللبنانية بالدور السعودي، وينظرون إلى الرياض كضامن تاريخي لاتفاق الطائف ومبدأ سيادة الدولة كأداة وحيدة لسحب السلاح من يد حزب الله وحصر قرار الحرب والسلم بيد الحكومة. لكن هناك مخاوف حقيقية من أن يتحول النفوذ التركي في طرابلس والبقاع إلى رافعة للإسلام السياسي؛ ما قد يهدد التوازن الديموغرافي والطائفي في البلاد. بالنسبة لهم، يرفض هذا التيار أي فكرة لوجود قوات أمنية أو عسكرية تركية في جنوب لبنان أو أي منطقة أخرى، ويُفضلون حصر الأمن بالجيش اللبناني وقوات دولية غربية محايدة.
أما التيار العوني، وتحت مبدأ الواقعية السياسية بعد سنوات من التحالف مع حزب الله، فقد انفتح على الرياض، وقوبل قرار ولي العهد السعودي برفع حظر الاستيراد عن البضائع اللبنانية بارتياح مسيحي واسع؛ كونه ينقذ قطاعات الزراعة والصناعة التي يشكلون عصبها الأساسي.
يرى التيار الوطني الحر أن تركيا قوة إقليمية قادرة على ضبط الوضع في سوريا الجديدة، وبالتالي يرحب بالتنسيق التركي- السعودي ما دام أنه يؤدي إلى تأمين الحدود اللبنانية وتسهيل العودة الطوعية للاجئين السوريين، وهو الملف الأهم بالنسبة لهم. كما ترحب الهيئات الاقتصادية ورجال الأعمال بمشاريع سكك الحديد والنقل الإقليمية التي تطرحها تركيا والسعودية، ويرون فيها شريان حياة لإنعاش الموانئ اللبنانية (بيروت وطرابلس).
هناك إجماع مسيحي على أن أي دور إقليمي يجب أن يحترم خصوصية لبنان التعددية وصيغة العيش المشترك. يتخوف المجتمع المسيحي من أي فكر إسلامي في الشارع السني؛ لذلك يفضلون دائماً النفوذ السعودي ويعتبرونه حليفاً.
أما الموقف الإسرائيلي، فهو يتناقض تجاه الحضور التركي والسعودي في لبنان؛ إذ يرى فيه فرصة استراتيجية لإضعاف إيران، ولكنه يضع فيتو ضد أي تمدد عسكري أو سياسي تركي مباشر على حدوده الشمالية. تلتقي "إسرائيل" مع الرياض وأنقرة في الهدف الأساسي وهو تفكيك نفوذ حزب الله، لكنها ترفض إتاحة المجال لطموح أنقرة في المشاركة بأي ترتيبات أمنية أو قوات حفظ سلام في جنوب لبنان، وتعتبر الوجود العسكري التركي (كقوة أطلسية ذات خلفية إسلامية) خطراً ديموغرافياً وسياسياً على حدودها.
"إسرائيل" ترى أن السعودية هي القوة القائدة لإعادة الإعمار والسياسة في لبنان، وترى في الرياض شريكاً إقليمياً أكثر استقراراً وضماناً لعدم تحول الساحة السنية اللبنانية نحو التشدد، وتفضل أن يمر الدعم المالي عبر حكومة مؤسساتية شرعية تضمن تجفيف منابع السلاح. لا يتناقض موقف السعودية ومسيحيي لبنان مع "إسرائيل" في الموقف من الإسلام السياسي سنياً؛ فلا تُرحب بالدور التركي إلا إذا أتى تحت المظلة السعودية-الأميركية.