نتنياهو يدير الملف اللبناني على إيقاع انتخابي
انتقلت المفاوضات إلى روما في منتصف تموز، وقيل يومها إنّ الاتفاق على مناطق تجريبية يمهّد لانسحاب إسرائيلي خلال أيام. لكن التجربة بدأت في بلدات لم تكن “إسرائيل” تحتلها بصورة دائمة، كما لاحظت «واشنطن بوست»، فلم ينتج عنها انسحاب فعلي. وفي زوطر الغربية، مُنع السكان من العودة بانتظار التحقق، وعندما دخل بعضهم وجدوا منازلهم مدمّرة، فعاد كثيرون إلى النزوح. وهكذا تحولت السيادة اللبنانية من حق ثابت إلى امتحان يخضع للتقييم الأميركي الإسرائيلي.
جاءت جولة روما الثانية بين 4 و6 آب، وكان جدول أعمالها المعلن توسيع المناطق التجريبية، ومعالجة وقف إطلاق النار، والحدود، والأسرى. لكن الاجتماع انتهى بلا إعلان مشترك، وبلا تسمية منطقة جديدة، وبلا إقرار بنتائج التحقق، وبلا انسحاب أو وقف الغارات، وبلا نتيجة معلنة في الحدود والأسرى. واكتفت واشنطن بالحديث عن محادثات «مثمرة على المستوى التقني»، من دون تحديد ثمرة واحدة. أما الحديث اللبناني عن «تقدّم إيجابي» فلا تؤيده شهادة صادرة عن مسؤول أميركي أو إسرائيلي، ولو تحقق اتفاق فعلي لظهر في موقف معلن من أحد الطرفين، لا في تسريبات لبنانيّة هدفها شراء الوقت ومنع تثبيت الحكم على الاجتماع بالفشل.
أكدت «هآرتس» خلال الجولة أنَّ “إسرائيل” رفضت توسيع المناطق التجريبية، بينما قالت «جيروزاليم بوست» إنَّ بعض الجلسات انتهى باكراً بسبب التطورات الميدانية. وحاولت الصحيفة الإسرائيلية تحويل مجرد استمرار التفاوض إلى إنجاز، بالقول إنَّ محاولات تعطيله فشلت، لكنها لم تستطع ذكر اتفاق واحد تحقق. أما «وول ستريت جورنال» فرأت أنَّ فرص الاختراق قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول ضعيفة، لأنّ الحسابات الداخليّة تضغط على أي خطوة تتصل بالانسحاب.
هنا تظهر الوظيفة الحقيقية للتفاوض بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو. فهو يحتاج إلى الاتفاق إطاراً يمنع واشنطن من اتهامه برفض المسار السياسي، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تعطيل التنفيذ كي يخاطب مستوطني الشمال، وهم خزان انتخابيّ مهم لليكود، بالقول إنّ الاحتلال باقٍ، وإنّ المنطقة الأمنية مستمرة، وإنّ حرية العمل العسكري لم تُمسّ، وإنّ حكومته لم تقدم للبنان انسحاباً أو تنازلاً.
قدّم القصف الإسرائيلي الواسع خلال جلسات روما الدليل الأوضح على إخضاع التنفيذ للاعتبار الانتخابي. ففيما كان الوفد اللبناني يناقش وقف إطلاق النار، أصدر جيش الاحتلال إنذارات إخلاء، ثم قصف المنصوري وتبنين ومناطق أخرى في الجنوب، موقعاً شهيداً وعدداً من الجرحى. ولم يكن اختيار التوقيت تفصيلاً عسكرياً، بل رسالة سياسية إلى مستوطني الشمال بأنّ التفاوض لا يقيد يد الجيش، وإلى الوفد اللبناني بأنّ الجلوس إلى الطاولة لا يوفر وقفاً للنار، وإلى واشنطن بأنّ حكومة نتنياهو لن تسمح للمفاوضات بأن تنتج صورة انسحاب قبل الانتخابات.
هكذا حصلت “إسرائيل” من اتفاق 26 حزيران على شرعنة المراوحة، تفاوض بلا وقف للعدوان، وتجريب بلا انسحاب، وتحقق بلا نهاية، وربط لكل خطوة لبنانية بموافقتها. وفي المقابل قدم لبنان التزاماته السياسية والأمنية مسبقاً، من دون الحصول على جدول للانسحاب أو ضمان لعودة السكان والإعمار.
من واشنطن إلى روما، لم يفشل التفاوض بسبب غياب الحلول التقنيّة، بل لأنّ “إسرائيل” لا تريد التنفيذ قبل الانتخابات. لقد حول نتنياهو الاتفاق إلى ورقة انتخابية، يعرض التفاوض على واشنطن، ويعرض الاحتلال والقصف على جمهوره. ولذلك لا تمثل جولة روما محطة ضائعة فقط، بل تكشف أنَّ استمرار التفاوض بصيغته الحالية يمنح نتنياهو الوقت والغطاء، بينما يدفع لبنان ثمن الانتظار من أرضه وسيادته ودماء أبنائه، والسلطة عالقة في لغتها التبريرية والذرائعية.
البناء