kayhan.ir

رمز الخبر: 227835
تأريخ النشر : 2026August04 - 20:01

هل اعتاد اللبناني السقوط؟ .. قراءة في الوعي خلال الأزمات

 

عباس قبيسي

لم يعد السقوط في لبنان حدثاً استثنائياً يثير الصدمة، بل غدا واقعاً يتكرّر حتى فقد كثيرون الإحساس بوطأته. فالأزمات التي توالت على اللبنانيين لم تعد تُقاس بحجم تداعياتها، بقدر ما تُقاس بسرعة التأقلم معها والتسليم بها، وكأنّ الإنهيار تحوّل إلى جزء من المشهد اليومي يُستقبَل ببرودةٍ مقلقة، فيما يتراجع تدريجياً الشعور بخطورة ما يعيشه الوطن وما يترتب عليه من أثمان سياسية واقتصادية واجتماعية.

من الانهيار المالي، إلى تفكك الخدمات العامة وزيادة الضرائب، مروراً بالفراغ السياسي، وصولاً الى الحرب الأخيرة يعيش اللبناني أسوأ سلسلة أزمات متراكمة متناسلة لا تنتهي ولا تمنحه حتى الوقت الكافي للهضم أو للمحاسبة، كلّ أزمة تُزاح جانباً لتُفسح المجال أمام أخرى، وكأنّ الذاكرة الجماعية أُجبرت على التخطي من ثقل الأحداث كي تتمكّن من الإستمرار.

في هذا السياق، تغيّر الوعي اللبناني لم يعد المواطن ينتظر الدولة كي تبادر ولا يراهن على الوزارات والإدارات العامة ولا حتى يثق بالوعود المعسولة، نشأ وعي جديد قوامه الشك والحذر وإدارة الحياة بحدها الأدنى وبدل أن يكون هذا الوعي دافعاً للتغيير، تحوّل في كثير من الأحيان إلى آلية دفاع عن النفس تحمي الفرد من الانهيار الكامل ولو على حساب فكرة الوطن.

واللافت أنّ اللبناني لم يستسلم بالمعنى التقليدي للكلمة، وهو لا يزال يعمل ويهاجر ويربّي ويعلّم أولاده ويبتكر حلولاً فردية للبقاء، لكن هذا الصمود الجبار الذي يُشاد به كثيراً يخفي في داخله مأزقاً عميقاً، صمود بلا أفق وتحمّل بلا مشروع منتج وقدرة هائلة على التكيّف تُستخدم لتبرير إستمرار الفشل لا مواجهته.

وهنا تكمن خطورة الاعتياد على السقوط، حين يصبح الانهيار جزءاً من الروتين اليومي ويفقد صفته الاستثنائية ويتحوّل إلى “وضع طبيعي”، وحين يُعاد تعريف الطبيعي على هذا النحو، تُصاب المفاهيم الكبرى بالتآكل، “الدولة والعدالة والمحاسبة والحقوق والواجبات والحقيقة”.

الإعلام بدوره يساهم أحياناً في هذا النمط السائد من حيث لا يدري، فالتعامل مع الأزمات بوصفها أخباراً عابرة أو أرقاماً جافة أو سجالات سياسية عقيمة، يسخفها أحياناً ويفرغها من مضمونها تارةً من بُعدها الإنساني ويحوّل المعاناة إلى مادة استهلاكية ومع الوقت، يفقد الرأي العام حساسيته تجاه الألم ويتأقلم معه ويصبح التدهور خبراً عادياً.

ورغم كلّ ما أصاب العقل اللبناني من إنهاك وإحباط، فإنه لم يفقد قدرته ولم تنطفئ فيه الرغبة بقيام دولة حقيقية، فما زالت هناك أسئلة تنتظر الإجابة، وتمسّك بفكرة الدولة التي لم تكتمل بعد، وما يحتاجه اللبنانيون ليس مزيداً من الشعارات والخطابات، بل إعادة الاعتبار لمعنى الدولة بوصفها الحاضن الأول للمواطن، لا مجرد جهة تجبي الضرائب، وإعادة الاعتبار للسياسة كمسؤولية في خدمة الناس، لا كإدارة دائمة للأزمات وللصمود باعتباره إرادة للتغيير وصناعة للمستقبل، لا مجرد قدرة على التكيّف مع الإضطرابات وتحمّلها.

لم يكن المشهد الحالي مجرّد نهاية، بل شهادة مكتملة المعنى على رحلة طويلة من الإنكسارات التي أوْصلت اللبناني إلى مرحلة بات فيها السقوط جزءاً من يومياته، وإنّ الاعتياد عليه ليس قدراً ولا مساراً طبيعياً مألوفاً، بل نتيجة درب طويل من الإحباط وانسداد الأفق وكسر هذه الحلقة يبدأ بالاعتراف بها، هل حقاً نريد أن ننجو كأفراد، أم أن ننهض كمجتمع؟ وبين هذين الخيارين اللذين لا يلتقيان، يتحدّد مستقبل اللبناني إمّا كوعيٍ متكيّف مع الانهيار أو كوعي رافض له، «فالأوطان لا تموت يوم تتعثّر، بل يوم يعتاد أبناؤها التعثّر».

captcha