حكومة تريد حصر السلاح تحت الاحتلال المالي
تتحرك الحكومة العراقية على أكثر من خط لزيادة إنتاج النفط وتنويع طرق تصديره، بعدما كشف إغلاق مضيق هرمز خطورة اعتماد العراق شبه الكامل على موانئ البصرة والخليج(الفارسي). ووضعت بغداد هدفاً طموحاً برفع الإنتاج إلى سبعة ملايين برميل يومياً خلال ثلاث سنوات، بعدما كان يدور قبل الحرب حول 4.3 ملايين برميل، وتراجع مع إغلاق المضيق إلى قرابة 1.3 مليون. كما قررت زيادة صادرات الأنابيب من نحو 220 ألف برميل يومياً إلى 770 ألفاً. وبدأت التفاوض على خطوط تصل الحقول العراقية بموانئ جيهان التركية وبانياس وطرطوس السورية والعقبة الأردنية.
وتقدّمت الحكومة في مشروع أنبوب البصرة – حديثة، بطول يقارب 685 كيلومتراً وطاقة تصميمية تبلغ 2.25 مليون برميل يومياً، بتكلفة إجمالية تقدر بخمسة مليارات دولار، خُصص منها نحو 1.5 مليار للمرحلة الأولى. ويمثل الأنبوب قاعدة لشبكة تتجه غرباً نحو سوريا والأردن، بما يتيح تصدير النفط عبر البحرين المتوسط والأحمر، بعيداً عن هرمز. كما تتفاوض بغداد وأنقرة على تطوير خط كركوك – جيهان، البالغة طاقته النظرية 1.5 مليون برميل يومياً، بينما لا ينقل حالياً سوى نحو 170 ألفاً. ووقعت بغداد ودمشق تفاهمات لإحياء خط كركوك – بانياس بطاقة أوليّة معلنة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
تقول الحكومة إنّ هذه المشاريع ضرورة استراتيجية بعدما ظهر أن تعطيل هرمز يستطيع خفض إيرادات العراق خلال أسابيع، وشل الإنتاج بعد امتلاء الخزانات. لكن المفارقة أن بغداد تعمل لتحرير طريق البرميل من المضيق، ولا تتحرك لتحرير طريق الدولار من نيويورك. فما قيمة رفع الإنتاج إلى سبعة ملايين برميل، وبناء أنابيب بمليارات الدولارات نحو تركيا وسوريا والأردن، إذا كانت عائدات النفط، بصرف النظر عن ميناء تصديره، تذهب إلى حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك؟ وما معنى تعدّد منافذ البيع إذا بقي منفذ قبض الثمن واحداً وخاضعاً للولاية الأميركية؟
بدأت هذه الآليّة بقرار مجلس الأمن 1483 عام 2003، الذي أنشأ «صندوق تنمية العراق» وأوجب إيداع عائدات النفط فيه تحت إشراف سلطة الاحتلال. ومنح الأمر التنفيذي الأميركي 13303 الأموال حصانة من الحجز داخل الولايات المتحدة. لكن القرار 1956 أنهى الإلزام الأممي في 30 حزيران 2011، وأعلن مجلس الأمن انتقال السلطة الكاملة على العائدات إلى الحكومة العراقية.
مع ذلك، أبقت بغداد الأموال في نيويورك. وأنشأت وزارة المالية والبنك المركزي عام 2014، بموجب مذكرة تفاهم عراقية أميركية، حساب «IRAQ2» لاستقبال عائدات النفط وتحويلها إلى حسابات البنك المركزي. وبذلك لم تعد السيطرة الأميركية تستند إلى قرار دولي نافذ، بل إلى اختيار الحكومات العراقية إبقاء المورد السيادي الأول داخل النظام المالي الأميركي، بذريعة حماية الأموال من مطالبات الدائنين والحفاظ على الوصول إلى الدولار.
تملك بغداد الأموال قانونيّاً، لكن واشنطن تملك السيطرة التشغيلية عليها. فكل تحويل دولاري يمر بأنظمة الامتثال الأميركية، وتستطيع الخزانة منع مصارف عراقية من التعامل بالدولار، أو تأخير التحويلات وشحنات النقد. وقد أوقفت إدارة ترامب في نيسان 2026 شحنة تقارب 500 مليون دولار من أموال النفط العراقي للضغط على بغداد في ملف المقاومة، ثم سمحت باستئناف محدود للشحنات في تموز. وهذا دليل عملي على أن الحماية المالية تحوّلت إلى أداة ابتزاز سياسي.
لا تكتمل السيادة بتحرير النفط من هرمز وإبقائه أسيراً في نيويورك. ويجب أن ترافق شبكة الأنابيب شبكة مالية بديلة، تشمل توزيع العائدات على عدة بنوك مركزية، وتنويع عملات البيع، وإنشاء آليات تسوية باليورو واليوان والعملات الوطنية، وحصر العلاقة مع الاحتياطي الفيدرالي بجزء من الاحتياطي لا بكل الإيرادات.
الأنبوب يحرّر طريق النفط، لكن الحساب السيادي يحرّر قرار الدولة. وإذا بقي ثمن البرميل تحت الإذن الأميركي، تصبح زيادة الإنتاج مجرد زيادة في الأموال التي تستطيع واشنطن حجبها، ويغدو الانسحاب العسكري إعادة انتشار للاحتلال من القواعد إلى الخزينة.
الحكومة التي لا تتجرأ على خوض معركة تحرير السيادة على الأموال لا تملك صلاحيّة حصر السلاح.
البناء