kayhan.ir

رمز الخبر: 227779
تأريخ النشر : 2026August02 - 19:35

في زمن النزوح… كانوا هم الوطن

 

د. محمد موسى علوش

 في اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه مجبراً على مغادرة منزله، تاركاً خلفه ذكرياته وأمانه وكلّ ما بناه في سنوات عمره، لا يكون أكثر ما يخشاه فقدان الجدران، بل أن يشعر بأنه أصبح غريباً في وطنه.

هذا ما عاشه مئات آلاف الجنوبيين خلال الحرب. خرجوا من قراهم ومدنهم حاملين ما استطاعوا حمله، تاركين خلفهم كلّ شيء تقريباً.

كانوا يدخلون بلدات وأحياء لا يعرفونها، وقلوبهم مثقلة بالخوف والقلق والأسئلة: كيف سيستقبلنا الناس؟ هل سنكون عبئاً عليهم؟ وهل ستزيد الحرب قسوةً بقسوة البشر؟

لكن ما حدث في أماكن كثيرة كان جواباً مختلفاً تماماً. وجدنا بيوتاً فُتحت قبل أن نطلب، وقلوباً اتسعت قبل أن تتسع المنازل. وجدنا من قال لنا بالفعل لا بالكلام: أنتم بين أهلكم.

وجدنا أصحاب منازل رفضوا استغلال حاجة الناس، فلم يرفعوا الإيجارات، ولم يغلقوا أبواب بيوتهم في وجه النازحين. ووجدنا من خفّف فواتير الماء والكهرباء، ومن تكفّل بعلاج المرضى، ومن قدّم الدواء مجاناً، ومن أمّن الفرش والأثاث والأواني المنزلية، ومن كان يسأل كلّ صباح: هل ينقصكم شيء؟

ووجدنا أصحاب المحال التجارية الذين لم يروا في الحرب فرصةً للربح، بل مسؤوليةً أخلاقية. باعوا بأسعار عادلة، وسجّلوا الديون لمن عجز عن الدفع، وسامحوا كثيرين، لأنهم أدركوا أنّ الإنسان في الشدائد لا يحتاج إلى تاجر، بل إلى أخ.

هذه المواقف قد تبدو صغيرة لمن ينظر إليها بالأرقام، لكنها بالنسبة إلى مَن عاش النزوح كانت كبيرة بحجم الوطن نفسه.

فالنازح لا يبحث فقط عن سقف ينام تحته، بل يبحث عن شعور يطمئنه بأنه لم يفقد مكانه بين الناس. وأنّ الكرامة التي خرج بها من بيته ستبقى مصونة حيثما ذهب.

أنا ابن الجنوب، وانا ممن فقدوا منازلهم وكلّ ما يملكونه فيها، وأكتب اليوم باسم كثيرين ربما لم تسعفهم الكلمات. أكتب لكلّ من احتضن عائلة لا يعرفها، ولكلّ من تقاسم بيته ورزقه ووقته مع غرباء لم يكونوا غرباء إلا لساعات، ثم صاروا أهلاً.

قد تعود البيوت فتُبنى من جديد، وقد تُرمَّم الطرقات، وقد تُمحى آثار الدمار مع الزمن. لكن هناك أشياء لا تُرمَّم لأنها لم تُهدم أصلاً، إنها الأخلاق التي ظهرت في أصعب اللحظات، والإنسانية التي رفضت أن تنهزم أمام الحرب.

لهذا، فإنّ ما فعلتموه لم يكن عملاً خيرياً عابراً، بل كان موقفاً وطنياً بكلّ ما للكلمة من معنى. لقد أثبتم أنّ الوطن ليس حدوداً وجغرافيا فقط، بل هو أيضاً الإنسان الذي يفتح بابه وقلبه حين تُغلق الأبواب.

في العادة، يكتب المؤرّخون عن المعارك، وعن الصواريخ، وعن الخرائط التي تغيّرت، لكنهم إنْ أنصفوا هذه المرحلة، فعليهم أن يكتبوا أيضاً عن أناس من انتماءات مختلفة رفضوا أن يتاجروا بأوجاع الناس، واختاروا أن يكونوا سنداً لهم.

لكم جميعاً

إلى أصحاب البيوت، وأصحاب المحال والمصالح، والأطباء، والصيادلة، والمتطوّعين، وكلّ من خفّف عن نازح ألماً أو حفظ له كرامة أو زرع في قلبه طمأنينة… شكراً.

شكراً لأنكم أثبتم أنّ الحروب قد تُهجّر الإنسان من منزله، لكنها تعجز عن تهجيره من وطنه… ما دام فيه أناس مثلكم، واعلموا أنكم:  في زمن النزوح، كنتم أنتم الوطن

captcha