الاحتلال السيادي: كيف تتحوّل الدولة إلى أداة للهيمنة؟
شوقي عواضة
يحفل التاريخ بحقبات كثيرة من حقبات الاحتلالات العسكرية التي قرأنا عنها وتمّت مواجهتها والتصدّي لها من قبل الشعوب والمقاومات في الدولة التي تم احتلالها، وقرأنا عن الغزو الثقافي أو الاحتلال الثقافي والاقتصادي والحصار وغير ذلك من وسائل الضغط التي كان يستخدمها الاحتلال ضدّ الدول التي كان يحتلّها، لكننا لم نجد في قواميس الاحتلال مصطلح (الاحتلال التجريبي) او (الاحتلال السيادي) بالرغم من انّ هذه المصطلحات ليست متداولة في الأدبيات الأكاديمية، فإنّ جذوره النظرية تعود الى عدد من أبرز المفكرين. مثل ميشيل فوكو الذي بيَن أنّ السلطة لا تمارس السيطرة فقط، بل تنتج المعرفة من خلال ممارستها، وهو ما يفتح الباب لفهم الاحتلال باعتباره أداة لجمع البيانات وبناء الخبرة. أما إدوارد سعيد فقد أوضح في الاستشراق أنّ السيطرة على الشعوب لم تكن عسكرية فقط، بل سبقتها وصاحَبتها عملية إنتاج معرفة دقيقة عن المجتمعات المستهدفة لتسهيل إدارتها وإخضاعها.
وطوّر أشيل مبيمبي هذا التصوّر عبر مفهوم “سياسات الموت”، مبيّناً أنّ الاحتلالات الحديثة تعيد تشكيل المجال الذي يعيش فيه الإنسان وتتحكم في الحركة والحدود وإمكانات الحياة نفسها. بينما ذهب ديريك غريغوري إلى أنّ المستعمرات كانت تاريخياً ساحات لتطوير أدوات الحكم والحرب قبل تعميمها. أما إيال وايزمان فقد قدّم من أكثر النماذج وضوحاً، إذ وصف الأرض المحتلة بأنها “مختبر” تُختبر فيه تقنيات السيطرة المكانية والعمرانية والأمنية، ثم تُنقل خبراتها إلى سياقات أخرى
أما في لبنان فقد ابتكر جهابذة السلطة مصطلح (الاحتلال التجريبي) (والاحتلال السيادي) في الجنوب الذي يمتلك تاريخاً طويلاً في مقاومة الاحتلال، ذلك الجنوب الذي كان شريكاً في الوطن والخاسر الأكبر في شراكته مع السلطة منذ عام 1948، حيث كان يُستباح الجنوب على أيدي عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون وغيرها من العصابات الصهيونية الإرهابية دون أيّ رادع، مروراً بحقبات تاريخية كان يستهدف فيها الاحتلال لبنان بعملية خاصة واجتياحات واستهداف مطار بيروت الدولي واجتياح عام 1978 ثمّ 1982 حيث انطلقت المقاومة بكلّ فصائلها ودحرت العدو عن بيروت ثمّ أنجزت التحرير الأول عام 1985 والتصدي للعدوان الإسرائيلي عام 1993 وفي عدوان عناقيد الغضب عام 1996 وتحرير عام 2000 وانتصارها في عام 2006 لتتعاظم انتصاراتها التي كشفت عورة الأنظمة العربية المتخاذلة التي بدأت بالعمل على فك شيفرة حزب الله والمقاومة في لبنان وهو إعلان حرب عليها، لتتحوّل تلك الأنظمة الى أكياس رمل لحماية الكيان منذ ما بعد عملية السابع من اكتوبر عام 2023 وعملية إسناد غزة مروراً بـ “أولي البأس” و”العصف المأكول”، حيث شهدت المعركة تحوّلاً جذرياً في المواجهة بنت عليه الولايات المتحدة والعدو الصهيوني استراتجيتهم كما يلي:
1 ـ تحشيد وتجييش الأنظمة العربية كشريك للعدو في مواجهة حركات المقاومة في المنطقة،
2 ـ تخفيف خسائر العدو البشرية والاقتصادية وكلفة الحرب من خلال السيطرة على القرار في مؤسسات الدولة في لبنان تحت عنوان (استعادة السيادة) وتحويل العدو المحتل الى شريك للسلطة والمقاومة الى عدو،
3 ـ تبني السلطة في لبنان وخضوعها لإملاءات العدو الإسرائيلي من خلال المفاوضات المباشرة وتبنّي مهمة (نزع السيادة) بنزع سلاح المقاومة،
4 ـ تشريع احتلال العدو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية وهتكه للسيادة من خلال القبول بالمناطق التجريبية وهو (الاحتلال التجريبي) الذي يشكل مقدّمة للتوسع الأكبر للعدو ونقل تجربة السلطة الفلسطينية الى لبنان.
انطلاقاً من ذلك، يمكن تقسيم الاحتلال التجريبي إلى أربع مراحل: الاحتلال الاستكشافي الذي يهدف إلى جمع المعلومات الأولية، ثم الاحتلال التجريبي الذي يختبر أدوات السيطرة، يليه الاحتلال التكيّفي الذي يعيد بناء العقيدة العسكرية وفق تطوّر الخصم، وأخيراً الاحتلال التطويري الذي يحوّل الخبرة المكتسبة إلى عقائد وتقنيات قابلة للتطبيق تمنح العدو المزيد من الوقت لتنفيذ أطماعه وتكريس احتلاله كاحتلال مشرّع من السلطة اللبنانية التي تخضع لكلّ شروطه وإعادة إحياء تجربة فرنسا وحكومة فيشي (1940–1944)، التي تعتبر من أوضح الأمثلة على تعاون سلطة محلية مع قوة احتلال حيث لم تكتف ألمانيا النازية باحتلال فرنسا، بل اعتمدت على حكومة فيشي بقيادة المارشال فيليب بيتان لإدارة جزء كبير من البلاد. قامت مؤسسات فرنسية بتنفيذ سياسات فرضها الاحتلال، بما في ذلك إدارة الأمن، وتطبيق بعض القوانين، والمشاركة في اعتقال وترحيل مقاومين واعتقالهم.
كذلك اعتمد الاحتلال البريطاني في مالايا على الإدارة المحلية في مواجهة الشيوعيين (1948 -1960) تحت عنوان كسب القلوب والعقول وعناوين السلام .
أما في الجزائر فقد استعانت فرنسا ببعض الجزائريين الذين خدموا معها، وعُرف بعضهم باسم الحركيين، في المقابل طوّرت فرنسا أساليب في الاستخبارات والسيطرة على المدن، ومكافحة حركة المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسي.
خلاصة القول انّ قرار السلطة اللبنانية وإقدامها على المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي هو ليس قراراً جريئاً كما يصفه البعض بقدر ما هو مذلّ أعطى “شرعية” لاحتلال العدو وهتك السيادة اللبنانية، بل هو يشكل شراكة حقيقية في العدوان على المقاومة وشعبها وعلى الجنوب الذي كان ولا يزال يدفع ضريبة الدم دفاعاً عن لبنان، ورغم التضحيات الجسام التي قدّمتها بيئة المقاومة وشركائها وشرفاء لبنان، يبقى الثمن زهيداً أمام ضريبة الذل للعدو التي تنتهك السيادة، فلا احتلال تجريبياً أو غير تجريبي يفرض سيادة ويبسط سلطة للدولة بل انّ الثلاثية الذهبية التي أنجزت الانتصارات في عهد الرئيس المقاوم العماد إميل لحود ووحدة الجيش والشعب والمقاومة هي الكفيلة باستعادة السيادة وتحرير الأرض والأسرى. وكما يقول المثل العربي “من لا يملك سيفاً ذُل”…