kayhan.ir

رمز الخبر: 227646
تأريخ النشر : 2026July31 - 19:43

الامتحان التركي الصعب..«إسرائيل» في لبنان وسورية

تنتقل تركيا من موقع مراقبة التحولات الجارية في المشرق إلى محاولة الإمساك بالمبادرة، مستفيدة من علاقاتها بالسلطة السورية الجديدة، وحضورها في شرق المتوسط، ورغبتها في المشاركة في الترتيبات الأمنية المقبلة في لبنان. لكن الحركة التركية لا تجري في فراغ، بل تدخل مباشرة إلى ساحات تعتبرها “إسرائيل” امتداداً لأمنها ونفوذها ومشاريعها الاقتصادية، ما يجعل التجاذب التركي الإسرائيلي مرشحاً للانتقال من سورية وغزة إلى لبنان.

في لبنان، تبدو المعركة تركية إسرائيلية ذات مضمون نفطي وجيوسياسي. لأن المشروع الإسرائيلي لا يستهدف تثبيت احتلال الأرض فقط، بل يقوم على ربط لبنان، بعد إخضاعه أمنياً، بالمسار القبرصي الإسرائيلي اليوناني للطاقة في شرق المتوسط، واستكمال بناء محور بحري يستبعد تركيا ويحدّ من قدرتها على التأثير في خرائط الغاز والنقل. في المقابل، تريد أنقرة فصل لبنان عن هذا المسار، أو على الأقل منع تحوله إلى جزء ثابت فيه، وحجز موقع لها في معادلات الجنوب والحدود البحرية والطاقة. ومن هنا تتجاوز رغبة تركيا في المشاركة بقوة بديلة لليونيفيل مجرد المساهمة في حفظ الأمن، لتصبح محاولة لتثبيت حضور سياسي وأمني طويل الأمد على الشاطئ الشرقي للمتوسط.

غير أن هذه المحاولة سوف تصطدم بفيتو إسرائيلي شبيه بالفيتو الذي منع تركيا من لعب دور في غزة. حيث “إسرائيل” لا تريد قوة إقليمية منافسة قرب حدودها، ولا تقبل أن يتحول الانتشار الدولي في الجنوب إلى مدخل لحضور تركي يقيّد حرية عملها العسكرية أو ينافس نفوذها الأميركي. ولا تبدو واشنطن، وفق تجربة غزة، مستعدة لخوض مواجهة جدية مع “إسرائيل” لفرض الدور التركي، مهما بلغت أهمية أنقرة داخل حلف شمال الأطلسي.

أما في سورية، فجوهر المعركة مختلف. المسألة هنا أمنية واستراتيجية قبل أن تكون اقتصادية. تركيا تريد سورية مستقرة تحت نفوذها السياسي والأمني، تمنع قيام كيان كرديّ على حدودها وتضمن وحدة المجال السوري بما يخدم أمنها القومي. بينما تريد “إسرائيل” سورية ضعيفة ومجزأة، منزوعة القدرة العسكرية، مفتوحة أمام الغارات والتوغلات، وغير قادرة على استعادة الجولان أو تشكيل عمق للمقاومة في لبنان والعراق. ولذلك يصعب تصور تسوية تركية إسرائيلية مستدامة في سورية، لأن ما تعتبره أنقرة شرطاً للاستقرار تعتبره تل أبيب تهديداً مستقبلياً.

يبقى معيار صدقية الدور التركي هو فلسطين، لا لبنان ولا سورية. لأن الداخل التركي، الشعبي والحزبي، يتفاعل مع القضية الفلسطينية أكثر من أي عنوان إقليمي آخر. وقد زادت صعوبة الامتحان بعدما نجحت إيران في الظهور بوصفها القوة الإقليمية التي امتلكت شجاعة قصف “إسرائيل” بكثافة، بينما اكتفت تركيا بالخطاب والضغط الدبلوماسي. وهذا الفارق لا يُقاس فقط بموازين القوة، بل بصورة القيادة والجرأة أمام الرأي العام الإسلامي، وخصوصاً داخل تركيا نفسها.

أمام أنقرة احتمالان. الأول أن تنشأ تسوية تركية إسرائيلية تقوم على تقاسم غير معلن للنفوذ، دور تركي محدود في غزة مقابل تفاهمات في سورية، وترك الملف اللبناني لإدارة أميركية سعودية في مواجهة إيران. لكن هذا الاحتمال يصطدم برفض “إسرائيل” التخلي عن حرية عملها في سورية، وخشيتها من أي وجود تركي فاعل في غزة أو لبنان.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن يصبح الصدام حتمياً إذا أصرّت “إسرائيل” على التعامل مع سورية بوصفها ساحة مفتوحة، وعلى لبنان بوصفه تابعاً لمسارها الأمني والنفطي وغزة مجرد ملحق جغرافي لترتيبات الأمن الإسرائيلي. عندها لن تستطيع تركيا مواجهة التغوّل الإسرائيلي بخطاب قومي تركي منفصل، بل ستضطر إلى العودة إلى العنوان الفلسطيني، والبحث عن صيغة تعاون أو تنسيق مع إيران، والنظر إلى سورية كساحة مشتركة تصل لبنان بالعراق، لا كمنطقة نفوذ تركي مغلقة.

هذا هو الامتحان التركي الصعب: هل تختار أنقرة حصة محدودة يمنحها لها التفاهم مع “إسرائيل” وواشنطن، أم تبني دوراً مشرقياً حقيقياً يبدأ من فلسطين ويقبل كلفة مواجهة المشروع الإسرائيلي؟ فالنفوذ لا تقرّره خرائط الانتشار وحدها، بل تحدده لحظة الصدام، ومن يملك عندها قرار البقاء والمواجهة.

البناء

captcha