هل تُخرج السعودية أميركا من استعصاء الصراع مع إيران؟
ناصر قنديل
دخل الصراع الأميركي الإيراني مرحلة استعصاء واضحة. فلا الولايات المتحدة استطاعت تحويل تفوقها العسكري إلى قدرة على فرض شروطها، ولا إيران تمكنت من إنهاء الحرب أو انتزاع اعتراف أميركي نهائي بمكانتها الإقليمية. لكن الفارق أن واشنطن تتحرّك تحت ضغط الوقت والأسواق والذخائر، بينما تراهن طهران على قدرتها، وقدرة حلفائها، على إطالة أمد المواجهة وتوزيعها بين ساحات متعددة. وفي قلب هذا الاستعصاء، يتصاعد الدور السعودي بوصفه محاولة لإنتاج وقائع جديدة تمنح واشنطن مخرجاً من مأزقها.
يتكوّن الاستعصاء من عنصرين رئيسيين. الأول هو مضيق هرمز، حيث لا تزال واشنطن تقف عند خط الدفاع عن السعودية ودول الخليج(الفارسي)، وترفض تغطية المسعى العُماني بالصيغة التي تمنح إيران دوراً معترفاً به في إدارة المضيق. لأن القبول بذلك لا يعني مجرد تنظيم حركة الناقلات، بل تثبيت المكانة الاستراتيجية لإيران في أمن الخليج(الفارسي)، وربط استقرار سوق الطاقة العالمي بالتفاهم معها. وهذا سينعكس على علاقة دول الخليج (الفارسي)بطهران، ومستقبل القواعد الأميركية، وحركة الأساطيل، ومجمل التوازنات الإقليمية.
أما العنصر الثاني فهو لبنان. تريد واشنطن المضي في المسار اللبناني الإسرائيلي على حساب ما ورد في مذكرة التفاهم مع إيران، ولا سيما أولوية وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي. وبدلاً من تنفيذ الانسحاب، تحوّلت «المناطق التجريبية» إلى امتحان للجيش اللبناني والمقاومة والسكان، فيما بقيت “إسرائيل” صاحبة قرار التحقق والانتقال من منطقة إلى أخرى. وتريد واشنطن، عملياً، فتح هرمز من دون الاعتراف بالدور الإيراني، وإنجاز ترتيبات السلاح في لبنان من دون إلزام “إسرائيل” بالانسحاب.
من هنا يأتي جوهر الدور السعوديّ المتصاعد. فبعدما عجز الضغط الأميركي المباشر عن كسر الموقف الإيراني، يجري دفع السعودية إلى واجهة المواجهة مع أنصار الله والمقاومة العراقية. والمطلوب سعودياً هو إعادة فتح باب المندب أمام صادرات النفط، حماية المنشآت والممرات، إضعاف قدرة حلفاء إيران على الضغط، وتشكيل جبهة عربية وإسلامية تمنح الحرب غطاءً أوسع من الغطاء الأميركي. وإذا نجحت الخطة، تستطيع واشنطن القول إن إيران فقدت إحدى أهم أوراقها، وإن الضغط على السعودية لم يعد قادراً على تعويض طهران عن حصارها أو عن رفض المطالب اللبنانية. وعندها تأمل الإدارة الأميركية في العودة إلى التفاوض من موقع أفضل، أو مواصلة الضربات من دون الخوف من إغلاق متزامن في مضيقي هرمز وباب المندب.
لكن المشكلة تكمن في الفارق بين الزمن الذي يحتاجه الدور السعودي والزمن المتاح لواشنطن. فالسعودية، حتى إذا سارت الأمور وفق الخطة، تحتاج إلى شهرين أو ثلاثة لإظهار نتائج عسكرية وبحرية قابلة للقياس. أما الهامش الأميركي فيضيق تحت تأثير ارتفاع أسعار النفط، وتقلب أسواق الأسهم، وتراجع المخزون الاستراتيجي، واستنزاف الذخائر الاعتراضية التي يصعب تعويضها بسرعة. ولذلك قد يبلغ الأميركيون خطهم الأحمر الاقتصادي والعسكري خلال أيام أو أسابيع، قبل أن تنتج الخطة السعودية ثمارها.
التجربة اليمنية لا تقدّم أسباباً كثيرة للتفاؤل. ففي عام 2015، دخلت السعودية الحرب معتقدة أن التفوق الجوي والمالي والتحالف الواسع سوف يحسمانها خلال أيام أو أسابيع. وبعد أكثر من عقد، صار أنصار الله أشد قوة، وانتقلوا من الدفاع عن صنعاء إلى التأثير في الملاحة الدولية وتوازنات الطاقة. يومها كثرت أسماء الدول المشاركة في «تحالف دعم الشرعية»، لكن السعودية وجدت نفسها في النهاية وحدها أمام أعباء الحرب.
كما سبقت لأنصار الله مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر. استخدمت واشنطن حاملات الطائرات والمدمرات والطائرات والصواريخ، لكنها لم تتمكن من وقف العمليات اليمنية أو تأمين الملاحة بصورة مستقرة، ثم خفضت حضورها وابتعدت عن المواجهة بوقف للنار دون شروط ومن دون تحقيق هدفها. ولذلك يصعب افتراض أن تحالفاً تقوده السعودية سينجح سريعاً، حيث لم ينجح الأسطول الأميركي.
الأمر نفسه ظهر في الحرب الأميركية على إيران. استطاعت واشنطن تدمير أهداف كثيرة، لكنها لم تستطع منع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية من الوصول إلى القواعد والمنشآت والسفن، واضطرت إلى حساب كل ضربة وفق حجم الرد المحتمل وكلفة الاعتراض وتأثير النفط في الأسواق. وقد كشفت الغارات الأخيرة، المحدودة قياساً بكلمات ترامب، أن القدرة على التدمير لا تساوي القدرة على مواصلة الحرب بلا سقف زمني.
في المقابل، لا تبدو إيران وحلفاؤها تحت الضغط الزمني نفسه. تتفادى طهران المواجهة المباشرة مع السعودية، وتترك لليمنيين والعراقيين إدارة الاشتباك معها، بينما تركز ضغطها على الولايات المتحدة. وهي تستطيع التحكم بدرجات التصعيد في هرمز، وتوزيع المواجهة بين العراق واليمن والخليج(الفارسي)، وانتظار وصول واشنطن إلى لحظة الاختيار بين التسوية والانفجار الاقتصادي.
لذلك لا يتعلق السؤال بقدرة السعودية على خوض الحرب، بل بقدرتها على تحقيق نتائج حاسمة قبل انتهاء الوقت الأميركي. وحتى الآن، يبدو أن واشنطن تحتاج إلى أسابيع، بينما تحتاج الرياض إلى أشهر، وتملك إيران وحلفاؤها استعداداً للقتال حتى يتعب الآخرون. هنا تكمن معادلة الاستعصاء، وهنا أيضاً تكمن صعوبة الرهان على أن تخرج السعودية أميركا منه.