الأزمة الإيرانية السعودية: عُمان ولبنان واليمن
– لا تكمن عقدة المفاوضات حول مضيق هرمز في أزمة إيرانية عُمانية، كما قد توحي صورة الوفد العُماني الذي زار طهران، بل في أزمة إيرانية سعودية أوسع، تتفرع منها ثلاثة ملفات مترابطة: المبادرة العُمانية حول هرمز، والاتفاق اللبناني الإسرائيلي، والتصعيد في اليمن. ووفق مصادر دبلوماسية، ترى طهران أن الرياض تحاول عبر هذه المسارات إعادة صياغة التوازن الإقليمي الذي أنتجته مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، بينما تعتبر السعودية أن إيران تسعى إلى تحويل نتائج الحرب إلى اعتراف بدور إقليمي متقدّم يمتد من هرمز إلى لبنان وباب المندب.
– لم تفشل المحادثات الإيرانية العُمانية، لكنها لم تصل إلى اتفاق. فقد زار وفد عُماني طهران وبحث آليات إدارة الملاحة في مضيق هرمز، ثم غادر مع استمرار المشاورات التقنية والسياسية. ووفق «رويترز»، اقترحت عُمان آلية إقليمية تستند إلى إدارة مشتركة قائمة على تقاسم المضيق، ورسوم طوعية مقابل خدمات الملاحة والسلامة، على غرار مضيق ملقا، بينما طالبت إيران بأن يكون التنسيق معها في ضفتي المضيق من الزاوية الأمنية في ضوء ما نتج عن الحرب، ورفضت العودة إلى نظام الملاحة السابق الذي يترك القسم الأكبر من الحركة في المسار العُماني، وتمسّكت بصيغة لإدارة واستيفاء الدلالات مستوحاة من اتفاقية مونترو بخصوص السيادة التركية على مضيقي البوسفور والدردنيل.
– لكن الخلاف، وفق القراءة الإيرانية، ليس مع عُمان التي تقوم بدور الوسيط، بل مع الخلفية السياسية للمبادرة؛ لأن الطرح العُماني جاء مدعوماً من دول الخليج(الفارسي)، ومرتبطاً بنتائج الاجتماع الخليجي الأميركي في المنامة الذي انعقد بعد أسبوع على مذكرة التفاهم. وتعتقد طهران أن الرياض تريد فتح هرمز وفق تصور خليجي أميركي صريح ينزع من إيران المكاسب التي تقول إنها حققتها، ويعيد الملاحة إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ ظهرت النوايا بمضامينه في مؤتمر المنامة الذي تعتبره طهران عبر تذكيره بكل ما فازت به طهران في مذكرة التفاهم من موقع عدائي من هرمز إلى لبنان وصولاً للدعوة لتجريد إيران من برنامجها الصاروخي وطائراتها المسيّرة وقطع علاقاتها بحلفائها في قوى المقاومة. ولذلك جاء اتصال عباس عراقجي بوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بالتوازي مع اتصاله بنظيره العُماني بدر البوسعيدي، تأكيداً أن مفتاح العقدة ليس في مسقط وحدها.
– الفرع الثاني للأزمة هو لبنان. فقد وُلد اتفاق 26 حزيران اللبناني الإسرائيلي بدعم سعودي وخليجي، وبعد مباركة سياسية مسبقة وفرها اجتماع المنامة. وترى إيران أن الاتفاق صُمم للفصل بين جبهة لبنان والتسوية الإيرانية الأميركية، وتحويل نزع سلاح حزب الله إلى شرط يسبق الانسحاب الإسرائيلي، بدلاً من تقديم جدول زمني ملزم للانسحاب باعتباره جزءاً من ضمانات إنهاء الحرب، حيث لا يمثل الاتفاق مجرد تنظيم للعلاقة بين لبنان و”إسرائيل”، بل محاولة سعودية أميركية لإخراج الورقة اللبنانية من أي تسوية معها. أما الرياض، فتقول إنها تنظر إليه بوصفه طريقاً لإعادة بناء سلطة الدولة اللبنانية، وتقليص نفوذ حزب الله، ومنع إيران من استخدام لبنان لتحسين شروطها في التفاوض حول هرمز والعقوبات.
– أما الفرع الثالث فهو اليمن، حيث كانت تسوية عام 2022 ثمرة مبكرة للحوار السعودي الإيراني، وكان يفترض أن تستكمل بفك الحصار ومعالجة الرواتب والمطارات والموانئ والملفات الإنسانيّة. لكن استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط أعاد العلاقة إلى حافة المواجهة. وقد أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مسؤوليتها عن الضربة، بينما حمّلت أنصار الله السعودية المسؤولية السياسية والعسكرية، وردت بالصواريخ والتهديد باستهداف المطارات والمصالح السعودية. وبدلاً من استئناف أحكام تسوية عام 2022، قال اليمن إن التعامل السعودي لم يبقَ أمامه من خيار سوى الذهاب إلى معادلة «الحصار بالحصار»، ولذلك أعلنت حركة أنصار الله تقييد حركة السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، فردّ التحالف الذي تقوده الرياض بقصف الحديدة. وبذلك صار باب المندب امتداداً لأزمة هرمز، وصارت السعودية تواجه في البحر الأحمر نتائج الموقف الذي تتخذه في الخليج(الفارسي)
– رغم ذلك، يحرص الطرفان على تجنب الصدام المباشر ويتمسكان بالاتفاق الصيني السعودي الإيراني الذي نجح في منع العودة إلى القطيعة والحرب، لكنه لم ينتج شراكة لإدارة الإقليم. وتقع العلاقة اليوم في منزلة وسطى: من جهة اتصالات دبلوماسية تمنع الانفجار، ومن جهة موازية صراع سياسي وأمني يتواصل عبر عُمان ولبنان واليمن. ولذلك فإن حل أزمة هرمز وحدها لن يكون كافياً؛ لأن العقدة الحقيقية هي كيفية الانتقال من تفاهم يمنع المواجهة السعودية الإيرانية إلى تفاهم ينظم المصالح المتعارضة بينهما في المنطقة كلها تمهيداً لنظام إقليمي جديد ترى طهران أنه الحل لكنه مشروط برحيل القواعد الأميركية وإنهاء التطبيع مع “إسرائيل”.
البناء