التهجير النفسي والقلق الاستباقي لدى أهالي جنوب لبنان…؟
عباس المعلم
لا تكمن المأساة النفسية لدى كثير من أهالي جنوب لبنان في الخوف من الحرب بحدّ ذاته، بل في العجز التدريجي للعقل عن استعادة ثقته بغيابها. فالتعرّض المتكرّر للأحداث الصادمة يعيد تشكيل آليات الإدراك العصبي، حتى يصبح الدماغ مهيأً لتوقّع الخطر بوصفه الحالة الطبيعية، بينما يغدو الأمان حالة استثنائية يصعب تصديقها. ومع مرور الزمن، تنشأ حالة من القلق الاستباقي المزمن، يتوقف خلالها الوعي عن التفاعل مع الواقع كما هو، ويبدأ بالتعامل مع المستقبل بوصفه تهديداً محققاً لم يحن موعده بعد. وهكذا يعيش الإنسان في مساحة نفسية معلقة بين حرب انتهت، وحرب يعتقد أنّ غيابها لا يمكن أن يستمرّ.
ومن هنا يتولّد ما يمكن تسميته بالتهجير النفسي، وهو أحد أكثر الآثار تعقيداً للصدمات الجماعية؛ إذ يبقى الإنسان داخل منزله، بينما يظلّ شعوره الداخلي يعيش حالة نزوح مستمرة. فلا يعود المنزل يمثل رمزاً للاستقرار، بل يتحوّل إلى مكان تختزن جدرانه ذاكرة الانفجارات وأصوات الطائرات وصور الركام. وفي هذه المرحلة، يدخل الجهاز العصبي في حالة فرط الاستثارة العصبية، حيث تبقى منظومات الإنذار الداخلية في أعلى درجات الجهوزية، وكأنها ترفض الاعتراف بانتهاء التهديد. لذلك يصبح الاسترخاء الكامل أمراً شبه مستحيل، لأنّ الدماغ يعتبر الطمأنينة نفسها سلوكاً محفوفاً بالمخاطر، ويعاملها كنوع من الغفلة التي قد تسبق الكارثة.
وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها مع حلول الليل، حين تخف المؤثرات الحسية الخارجية، فتتسع مساحة النشاط الداخلي للعقل. عندها تنشط الذاكرة الانفعالية وتبدأ باستحضار خبرات الخوف القديمة، فتتداخل مع الإدراك الحالي لتنتج ما يسمّى بفرط اليقظة؛ وهي حالة يفسّر فيها الدماغ أيّ مثير بسيط على أنه مؤشر لحدث كارثي وشيك. خبر عابر يفتقر إلى المصداقية، صوت سيارة، اهتزاز نافذة، أو حتى ضجيج داخلي ناتج عن التوتر العضلي أو حركة الأوعية الدموية، قد يتحوّل في لحظات إلى قناعة راسخة بأنّ غارة جوية قد بدأت، أو أنّ سقف المنزل على وشك الانهيار. ولا تنشأ هذه التصورات من الوهم بقدر ما تنشأ من ذاكرة عصبية لم تعد تميّز بدقة بين ما وقع فعلاً وما يمكن أن يقع، بعدما اعتادت لسنوات أن تربط أيّ إشارة حسية باحتمال الموت.
إنّ أخطر ما تفعله الحروب لا يتمثل في الدمار الذي تتركه على الأرض، بل في إعادة تشكيل البنية النفسية للإنسان بصورة تجعل الخطر يقيم داخله حتى بعد غياب أسبابه الخارجية. وهنا يصبح القلق نمطاً إدراكياً دائماً، وتتحوّل الحياة إلى حالة من التأهّب الوجودي المستمر، حيث يفقد العقل قدرته على الوثوق بالاستقرار، ويظلّ يبحث عن العلامة الأولى للانهيار المقبل. وهذه ليست مبالغة في الخوف، ولا ضعفاً في التكيّف، بل نتيجة مباشرة لتراكم الصدمات غير المعالجة التي تدفع الدماغ إلى تفضيل توقع الأسوأ باعتباره وسيلة دفاعية للبقاء. والمفارقة القاسية أنّ الإنسان، بعد سنوات طويلة من الحروب، قد يعتاد انتظار الكارثة أكثر مما يعتاد الإيمان بإمكانية أن يعيش يوماً عادياً لا يحدث فيه شيء…