ترامب يستقبل نتنياهو بالتذكير بالحماية
لا تبدو العبارة التي اختارها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عشية استقباله رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مجرد واحدة من مبالغاته المعهودة، عندما قال: «لقد كنّا لطفاء للغاية مع العديد من الدول التي ما كانت لتستمر لولانا»، ثم سأل «هل تعلمون مَن ما كان ليستمر لولانا؟ إسرائيل». فالتوقيت والسياق يحولان الكلام من استعراض للقوة الأميركية إلى رسالة سياسيّة محددة العنوان، نتنياهو القادم إلى واشنطن للدفع نحو استئناف الحرب على إيران يجب أن يتذكر أن استمرار “إسرائيل” نفسه، وفق تعبير ترامب، رهن بالحماية الأميركية.
هذه ليست العبارة الأولى التي يرسم بها ترامب هرم العلاقة. ففي الرابع من تموز، وعندما سُئل عن طلب نتنياهو لقاءه، قال: «علاقتنا جيدة جداً. إنه يعرف مَن هو الزعيم». أما النص الإنكليزي، He knows who the boss is، فيعني بصورة أدقّ: «إنه يعرف مَن هو صاحب القرار». وهكذا تتكامل العبارتان: الأولى تحدّد مَن يقود العلاقة، والثانية تشرح مصدر حقه في القيادة. نتنياهو يعرف مَن هو صاحب القرار، لأن “إسرائيل” تعرف مَن يضمن بقاءها، كما قالت هآرتس أمس.
وتكتسب الرسالة معناها الكامل من الحرب مع إيران. فـ”إسرائيل” التي قدمت نفسها عقوداً باعتبارها قوة قادرة على حماية ذاتها، احتاجت إلى مساهمة أميركية حاسمة في اعتراض الصواريخ الإيرانية. وكشفت «واشنطن بوست»، استناداً إلى تقييمات للبنتاغون، أن القوات الأميركية أطلقت أكثر من مئتي صاروخ «ثاد»، أي نحو نصف المخزون الأميركي، إضافة إلى أكثر من مئة صاروخ من طرازي «إس إم-3» و«إس إم-6». وفي المقابل، استخدمت “إسرائيل” أقل من مئة صاروخ «آرو» ونحو تسعين صاروخاً من منظومة «مقلاع داود» كما كتبت واشنطن بوست.
لم تعد الحماية الأميركية لـ”إسرائيل”، إذاً، تعبيراً سياسياً أو التزاماً نظرياً، بل تحولت إلى استنزاف مباشر لمخزون عسكري تحتاج واشنطن إليه لحماية قواعدها والاستعداد لاحتمالات المواجهة في أوروبا وشرق آسيا. وقد كشفت «وول ستريت جورنال» أن الولايات المتحدة استهلكت منذ بداية الحرب أكثر من ألف صاروخ «توماهوك»، وبين 1500 وألفي صاروخ دفاع جويّ، وأن تعويض هذه المخزونات قد يحتاج إلى ست سنوات.
لذلك لا يأتي نتنياهو إلى واشنطن هذه المرة باعتباره شريكاً يعرض خطة حرب ويتقاسم أعباءها مع الأميركيين كما فعل في زيارة شباط الماضي التي سبقت إشعال الحرب على إيران. إنه يأتي طالباً مواصلة حرب تتحمل الولايات المتحدة القسم الأكبر من كلفة حماية “إسرائيل” خلالها، بينما يقرّر ترامب وقف الضربات ومنح التفاوض مع إيران مساحة جديدة. وقد أعلن الرئيس الأميركي وجود «محادثات جيدة»، محذراً في الوقت نفسه من العودة إلى العمل العسكري إذا فشلت. معنى ذلك أنه يريد الاحتفاظ بالخيارين في يده: التفاوض والضرب، وأن تكتفي “إسرائيل” بانتظار التعليمات وفقاً لترجيح أي من الخيارين، لا أن تدّعي امتلاك القدرة على إسداء النصح أو ترجيح كفة القرار.
هنا يصبح التذكير بالحماية أداة لضبط القرار الإسرائيلي. فترامب لا يقول إنه سيتخلى عن “إسرائيل”، بل يستخدم ضمان بقائها لإثبات حقه في تحديد حركتها. ومضمون الرسالة، لا تستطيع “إسرائيل” الاعتماد على الصواريخ والقواعد والأموال الأميركية لحمايتها، ثم المطالبة باستقلال قرارها عندما تقرّر واشنطن وقف الحرب أو التفاوض، بما يؤكد كلام نائب الرئيس جي دي فانس كان يعبّر عن رأي ترامب أيضاً، عندما قال إن على “إسرائيل” تذكر أن ثلثي أسلحتها وذخائرها من مصدر أميركي. عندما انتقد محاولات مسؤولين إسرائيليين التأثير في الموقف الأميركي من الاتفاق مع إيران. وقال فانس إن ما يزعجه ليس محاولة الدول التأثير في واشنطن، بل أن تنجح هذه الحملات في التأثير في «الحكم السياسي الأميركي». كما ذكّر المعترضين الإسرائيليين بأن ترامب هو الحليف الوحيد المتبقي لـ”إسرائيل”، وبالمليارات التي تحصل عليها من الولايات المتحدة، كما نقلت رويترز.
تتراكم، إذاً، عناصر موقف أميركي متماسك، فانس يرفض التأثير الإسرائيلي في القرار الأميركي، وترامب يعلن أن نتنياهو يعرف مَن هو صاحب القرار، ثم يستقبله بالتذكير بأن “إسرائيل” ما كانت لتستمر لولا الولايات المتحدة، في مناخ شعبي هو الأسوأ بالنسبة لـ”إسرائيل”، كما تقول منافسات المرشحين للانتخابات النصفية على من يثبت وقف حصوله على دعم أيباك وإثبات مشاركته في حملات التضامن مع غزة.
ليست هذه مقدّمات لفك التحالف الأميركي –الإسرائيلي، بل لإعادة ترتيب مراتبه بعد حرب إيران. “إسرائيل” تحت الحماية، لكن الحماية لا تعني تسليمها القيادة. وأميركا مستعدة للدفاع عنها، لكنها ليست مستعدة لأن يقرر نتنياهو متى تُستهلك ذخائرها، ومتى تدخل الحرب، ومتى ترفض التسوية.
لذلك لن يكون السؤال الأساسي في اللقاء ماذا يريد نتنياهو، بل كم مما يريده يسمح به ترامب. فقد سبقه الرئيس الأميركي إلى طاولة الاجتماع بعبارتين تختصران موقع الضيف وحدود طلباته، “إسرائيل” ما كانت لتستمر لولا أميركا، ونتنياهو يعرف جيداً مَن هو صاحب القرار.