التفاوض والتهدئة نتيجة واحدة لفشل الحرب
بدأ التفاوض الإيراني العُماني حول مضيق هرمز بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في 17 حزيران مباشرة، باعتباره مساراً تنفيذياً لترجمة ما أقرّته المذكرة حول الملاحة في المضيق. لكن الخلاف ظهر سريعاً حول جوهر الترتيبات، هل تعني حرية الملاحة إقراراً بدور إيران في إدارة المضيق بالتفاهم مع عُمان، أم إنشاء ممر عُماني منفرد يحرم طهران من القدرة الاستراتيجية التي انتزعت الاعتراف بها في مذكرة التفاهم؟
ظهرت العقدة علناً في زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط في 11 تموز. وبعد نحو عشر ساعات من المفاوضات، غادر عراقجي من دون إعلان اتفاق، وتبيّن لاحقاً أن المشروع العُماني يقوم على مسارين منفصلين، ممر شمالي في المياه الإيرانية يحتاج إلى موافقة طهران، وممر جنوبي في المياه العُمانية يكون العبور فيه حراً وغير مشروط. ظاهرياً بدا المقترح تنظيماً تقنياً للملاحة؛ لكنه في جوهره كان محاولة أميركية لإنشاء ممر بديل يستطيع العالم استخدامه بلا تفاهم مع إيران، بما يفرغ موقعها في المضيق من قيمته الاستراتيجية.
لم يكن هذا التحول معزولاً عن بيان المنامة الأميركي الخليجي الصادر في 25 حزيران، أي بعد ثمانية أيام فقط على توقيع مذكرة التفاهم. فقد رحّب البيان بالمذكرة شكلاً، لكنه أعاد فتح الملفات التي تجاوزتها، الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وعلاقة إيران بقوى المقاومة، وربط التجارة والاستثمار معها بالتزامها بالشروط الأميركية، وطالب بملاحة «حرة وغير مشروطة وغير مقيّدة» في هرمز، رافضاً أي رسوم أو محاولة لفرض السيطرة عليه. لذلك بدا البيان أقرب إلى إعلان نيات للانقلاب على المذكرة منه إلى تأييدها؛ وكانت ترجمة هذا الانقلاب هي الممر العُماني الأميركي المنفرد.
رفضت إيران قبول المعادلة الجديدة، لأن معنى الموافقة عليها هو التخلي طوعاً عن أهم مكسب استراتيجي خرجت به من الحرب والتفاوض، الاعتراف بأن أمن هرمز وإدارته لا يمكن أن يتقرر أي شأن فيهما من دونها. وعندما حاولت واشنطن فرض الممر بالقوة، بدأت جولة امتدت خمسة عشر يوماً حول المضيق، شملت ثلاث عشرة ليلة متتالية من الضربات الأميركية، وردوداً إيرانية استهدفت القواعد الأميركية والسفن التي حاولت استخدام المسار الجنوبي.
كان معيار النجاح الأميركي واضحاً، تشغيل الممر العُماني وعودة الناقلات إلى العبور، بما يثبت أن واشنطن تستطيع ضمان الملاحة من دون موافقة إيران. وكان معيار النجاح الإيراني معاكساً، إبقاء الممر معطلاً، ومنع شركات الشحن من الوثوق بالحماية الأميركية، وتحويل النفط إلى حكم يفصل بين الروايتين.
بعد خمسة عشر يوماً، قالت الوقائع كلمتها. بقي عبور الناقلات عند مستويات شديدة الانخفاض، ورفضت شركات التأمين والشحن المجازفة، وفشلت الضربات في فتح المسار الجنوبي أو كسر القرار الإيراني. وارتفع سعر برنت تدريجياً من عتبة السبعين دولاراً إلى حدود التسعين دولاراً ثم قفز إلى أكثر من مئة دولار، فيما اتسعت المخاوف من انتقال الأزمة إلى باب المندب. عندها لم يعد ممكناً تقديم الحملة الأميركية باعتبارها عملية ناجحة لحماية حرية الملاحة؛ فالسوق الذي لا يجامل الحكومات أعلن أن هرمز لا يزال مغلقاً عملياً.
فجأة، تزامن وقف الضربات الأميركية مع وصول وفد عُماني إلى طهران للبحث في «آليات إدارة الملاحة» وإحياء فكرة الإدارة المشتركة للمضيق. وتقوم الصيغة الإيرانية على معادلة بسيطة، لا إدارة إيرانية منفردة، ولكن لا ممر عُمانياً منفرداً أيضاً؛ إدارة بالشراكة بين ضفتي المضيق، لا مكان فيها لإلغاء أحد الشريكين أو تحويل مياهه إلى أداة لتجاوز الآخر.
يقول بعض القراءات إن وصول الوفد العُماني واستئناف التفاوض أقنعا واشنطن بوقف الضربات. لكن التسلسل الفعلي يقول شيئاً مختلفاً، لم يكن التفاوض سبب وقف الحرب، بل كان التفاوض ووقف الضربات نتيجتين لسبب واحد، هو فشل القوة العسكرية الأميركية في تغيير ميزان القوى وكسر الإرادة الإيرانية. لو نجحت الضربات في فتح الممر لما احتاجت واشنطن إلى العودة للتفاوض على إدارته.
هكذا أعادت خمسة عشر يوماً من النار الأطراف إلى النقطة التي حاول بيان المنامة تجاوزها، مذكرة التفاهم، والاعتراف بأن استقرار هرمز لا يُفرض على إيران بل يُصاغ معها. والفارق أن العودة هذه المرة لم تأتِ بفضل النيات الحسنة، بل بعدما أثبتت إيران ميدانياً، وأكد سوق النفط اقتصادياً، أن الممر المنفرد لا يعمل وأن الشراكة ليست منّة تُمنح لطهران، بل حقيقة يفرضها ميزان القوى.