التنافس التركي ـ «الإسرائيلي»: عندما يتقاسم عدوّان الشرق الأوسط
ليليان عبد الخالق
ثمة سذاجة في وصف ما يجري بين أنقرة وتل أبيب بـ”التنافس”. التنافس يكون بين حلفاء يختلفون على حصة السوق، أما هذا فهو اقتتال بين قوتين توسعيتين تتقاسمان جثة إقليم منهك، كلّ واحدة منهما مقتنعة بأنّ الفراغ الذي خلّفه انهيار الأنظمة العربية القديمة حق طبيعي لها وحدها. أول اعتراف تركي بـ “إسرائيل” عام 1949 لم يكن تصالحاً حضارياً كما يُروَّج، بل صفقة براغماتية بين دولتين ناشئتين تحتاجان الغرب أكثر مما تحتاجان بعضهما البعض. وحين انكشف زيف هذه الصفقة بعد السابع من أكتوبر، لم يسقط تحالف، بل سقط قناع.
سورية هي المرآة التي لا تكذب. تركيا تدّعي أنها تبني دولة، و”إسرائيل” تدّعي أنها تحمي أمنها، لكن الحقيقة أبسط وأقسى: كلاهما يريد سورية ضعيفة تكفي لتكون تابعة، لا قوية تكفي لتكون شريكاً. لم تكن الضربات الجوية “الإسرائيلية” دفاعاً عن النفس، هي رسالة واضحة لأنقرة: كلّ قاعدة تبنيها سنهدمها، وكلّ نفوذ تحاول ترسيخه سنجهضه. وتركيا، رغم لغتها الحادة عن “الإبادة” و”الإرهاب”، توقفت عن بناء قواعدها فور الضربة الأولى. هذا ليس موقفاً مبدئياً يصطدم بموقف مبدئي آخر؛ هذا حساب مصالح بارد يتلطى خلف خطاب أخلاقي من الطرفين.
ولبنان ليس هامشاً نظرياً في هذا الصراع، بل جرحه المفتوح. منذ الثاني من آذار 2026، حين شنّت “إسرائيل” عدواناً واسعاً غير مسبوق: قصفت الجنوب والبقاع وبيروت، وهجّرت قرى الجنوب بأوامر إخلاء، وتوغلت براً أكثر من عشرة كيلومترات، أعمق اختراق منذ انسحابها عام 2000. الحصيلة تجاوزت أربعة آلاف وثلاثمئة وتسعة وعشرين قتيلاً واثني عشر ألف جريح، وما زالت ترتفع. والأخطر أنّ وزير الدفاع “الإسرائيلي” أعلن صراحة نية “تسريع هدم المنازل” في قرى التماس، ومنع سكان الجنوب من العودة جنوب الليطاني “حتى يُضمن أمن الشمال” تهجير معلن بلسان أصحابه لا قصف يبحث عن هدف. والمقاومة، التي تصدّت لهذا التوغل، لم تكن سبب الحرب بل ذريعتها؛ فمشروع “الحزام الأمني” كان قائماً في الرأس “الإسرائيلي” قبل أيّ صاروخ. وفوق هذا كله تبقى الحدود البحرية معلّقة كعادتها: اتفاق 2022 لم يشمل أصلاً القطاع الملاصق لرأس الناقورة، ولبنان لم يعترف يوماً بخط العوامات “الإسرائيلي”، وفي آذار نفسه لوّحت “إسرائيل” بإلغاء الاتفاق ونشرت خريطة “دفاع بحري متقدم” جديدة بينما اكتفت بيروت بالتذكير بأنّ الاتفاق “ما زال سارياً قانونياً”، وكأنّ القانون يردع من يهدم القرى بالجرافة. هذا ما يعنيه أن تكون “أرضاً محايدة”: أن تُقتسم براً وبحراً في آن واحد، بذريعة أوضح ودم أكثر.
هذا المنطق ذاته يتكرّر من الصومال إلى ليبيا إلى شرق المتوسط كله. تركيا تحمل عقيدة “الوطن الأزرق” وتبحث عن امتدادها البحري، و”إسرائيل” تبني تحالفاتها مع اليونان وقبرص لتطويقه. تركيا تملك قاعدة عسكرية في الصومال منذ 2017، و”إسرائيل” تعترف بصوماليلاند وتبني فيها موطئ قدم عسكرياً وفق تقارير أميركية. لم يعد الخلاف قضية غزة وحدها، بل بنية تنافسية متكاملة تمتدّ من القرن الأفريقي إلى القوقاز، حيث وسّعت أنقرة شراكتها مع أذربيجان وأثبتت دروناتها جدارتها في ناغورنو كاراباخ.
والصناعات العسكرية كافية وحدها لقراءة موازين هذا التنافس. صادرات تركيا الدفاعية تجاوزت عشرة مليارات دولار في 2025، ودرون “بيرقدار” بات حاضراً في أكثر من ثلاثين دولة بسعره المنخفض وشروطه السياسية الخفيفة. لكن هذه الكثرة الرخيصة ليست بريئة: تركيا لا تصدّر طائرات مُسيّرة فحسب، بل تصدّر نموذجاً تحررياً زائفاً من هيمنة السلاح الغربي المشروط، بينما تحتفظ لنفسها بالمقعد الأمامي في كلّ معركة تستخدمه. و”إسرائيل”، المتفوقة تقنياً بصادرات قاربت تسعة عشر مليار دولار، تبيع للأقوياء وتحالف مع الأقوياء، فتؤكد كلّ يوم أن أمنها لا يُبنى إلا على ضعف من حولها.
وواشنطن، بدل أن تكون حكماً، تحوّلت إلى جائزة يتنافس عليها الاثنان. أردوغان يستدرّ ودّ ترامب بعلاقة شخصية هشة، و”إسرائيل” تراهن على عقود من الولاء الأميركي المؤسّسي الذي لا يهتز بتغير الرؤساء. حين يقول ترامب إنّ الحرب “لن تحدث طالما أنا رئيس”، فهو لا يمنح المنطقة استقراراً، بل يذكّرها أنّ مصيرها معلّق بمزاج رجل واحد على بعد آلاف الكيلومترات. وهذه، لا الخطاب الدبلوماسي المتبادل، هي الفضيحة الحقيقية: أنّ مصير سورية ولبنان وشرق المتوسط يُقرَّر في محادثة هاتفية بين أنقرة وواشنطن، فيما تُهدم بيوت الجنوب اللبناني بجرافة لا تنتظر إذن أحد.
لن تتقاتل تركيا و”إسرائيل” مباشرة، ليس لأنّ بينهما حكمة أو ضبط نفس، بل لأنهما لا تحتاجان ذلك: يكفيهما أن تتقاتلا بالوكالة، وأن تترك كلّ واحدة للأخرى مساحة من النهب لا تستدعي مواجهة مكلفة. هذا ليس توازن ردع، هذا تقاسم نفوذ متفاهَم عليه بصمت بين خصمين يتشاركان مصلحة واحدة لا يُصرّحان بها: أن يبقى هذا الإقليم عاجزاً عن أن يقرّر لنفسه، حتى وهو يدفن شهدائه…