كيف يُهندس نتنياهو ومستوطنوه انفجاراً شاملاً في الضفة الغربية عشية الانتخابات؟
حسن حردان
تشهد الضفة الغربية المحتلة مرحلة فارقة تختلط فيها الأجندات الاستيطانية التهويدية بالاستحقاقات السياسية الداخلية لدولة الاحتلال. وفي ظلّ تقارير الصحف “الإسرائيلية” المتصاعدة واقتراب موعد انتخابات الكنيست المقرّر في 27 أكتوبر 2026، يتحوّل الاستيطان من مجرد مشروع أيديولوجي لتيارات الصهيونية الدينية إلى أداة بقاء سياسي يستخدمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتعويض تراجع شعبيته واستطلاعات حزبه (“الليكود”).
هذا التزايد المحموم في اعتداءات المستوطنين ومساعي حسم الهوية الدينية والجغرافية للضفة والقدس ينذر بتداعيات وجودية على الواقع الفلسطيني ومستقبل الاستقرار الإقليمي.
أولاً: ديناميكيات التصعيد الاستيطاني
الاستيطان فرعاً للسلطة: تؤكد المتابعات الإعلامية “الإسرائيلية” أنّ الائتلاف الحكومي الحالي منح وزراء اليمين المتطرف (مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير) تفويضاً مطلقاً لهندسة الضفة الغربية إدارياً وقانونياً. يتمّ ذلك عبر نقل الصلاحيات، تسريع شرعنة البؤر الرعوية، ضخ المليارات لتوسيع البنية التحتية الاستيطانية، وتحويل المستوطنين إلى “جيش رديف” يفرض سياسة الأمر الواقع على القرى والبلدات الفلسطينية.
القدس والمسجد الأقصى في عين العاصفة: لم تعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى مجرد طقوس استفزازية عابرة، بل باتت جزءاً من استراتيجية ممنهجة لفرض وقائع تهويدية تمهّد للتقسيم الزماني والمكاني والاقتراب من حلم “إقامة الهيكل”.
هذا التمادي الديني يُمثّل الصاعق الأكبر الذي يعيد صياغة طبيعة الصراع من سياسي ـ مكاني إلى ديني عقائدي عابر للحدود.
ثانياً: الحسابات الانتخابية لنتنياهو الهروب إلى “جبهة الضفة”
استطلاعات الرأي وأزمة “الليكود”: في ضوء تراجع شعبية حزب “الليكود” في استطلاعات الرأي وارتفاع أسهم قوى المعسكر المنافس، يجد نتنياهو نفسه أسيراً لابتزاز حلفائه المتطرفين.
شراء الولاء السياسي بالدم والأرض: يُدرك نتنياهو أنّ تماسك ائتلافه الحاكم وبقاءه السياسي رهين بتلبية الشروط القصوى لمعسكر المستوطنين. لذا، يُشكل إطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية “الرافعة الانتخابية” الوحيدة القادرة على تحفيز القاعدة اليمينية المتشدّدة وصرف الانتباه عن الإخفاقات الأمنية والاقتصادية والأزمات الداخلية المتراكمة.
ثالثاً: التداعيات على الواقع الفلسطيني
التآكل الميداني والاقتصادي: تتعرّض البنى التحتية والمجتمعات الريفية الفلسطينية لعمليات تفكيك ممنهجة؛ فاستباحة الأراضي، وتقطيع أوصال المدن بالحواجز والبؤر الاستيطانية، تدفع نحو خنق سبل العيش اليومي وتأجيج مشاعر الغضب العارم والإحباط الشامل جراء انسداد الأفق السياسي.
أزمة السلطة الفلسطينية: يضع هذا التصعيد السلطة الفلسطينية أمام مأزق تاريخي؛ فهي تتجرّع كلفة العجز عن حماية المواطنين في مناطق “ج” والقرى المستهدفة، وسط تنامٍ لقناعة شعبية بأنّ مسارات التسوية التقليدية قد سقطت نهائياً تحت جنازير الجرافات الاستيطانية.
رابعاً: احتمالات السيناريوات المقبلة
انفجار حتمي لجبهة الضفة: تُجمع التقارير الاستخبارية والأمنية “الإسرائيلية” على أنّ الضفة الغربية تقف على صفيح ساخن. إنّ التمادي في عربدة المستوطنين واقتحامات الأقصى يقلّص هامش احتواء الغضب إلى أدنى مستوياته.
جيل جديد من المقاومة: تشير المؤشرات الميدانية إلى تآكل صيغ السيطرة الأمنية الكلاسيكية، وصعود خلايا وشبكات مقاومة محلية (مسلحة وفردية) خارج الأطر التنظيمية التقليدية، رداً على سياسة الضم الصامت والاعتداءات اليومية.
استنزاف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: مع تورّط الجيش “الإسرائيلي” في توفير الحماية المباشرة لتمدّد المستوطنين وتأمين بؤرهم، سيجد نفسه أمام جبهة استنزاف داخلية طويلة الأمد، مما يجعل من اندلاع انتفاضة شاملة سيناريو مرجحاً بقوة إذا ما استمرّت الحكومة الإسرائيلية في الرهان على الحسم بالقوة الغاشمة لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.
خلاصة القول: إنّ ما تجري صياغته اليوم في الضفة الغربية والقدس برعاية حكومية ومحميات استيطانية هو “مغامرة انتحارية قصيرة الأجل” تهدف إلى تأمين مقاعد إضافية لنتنياهو وحلفائه في انتخابات أكتوبر المقبل. غير أنّ الثمن الاستراتيجي لهذا العبث السياسي سيكون باهظاً على أمن المنطقة برمتها، إذ يُهندس باحتراسٍ أسباب انفجار شامل يعيد رسم خريطة المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية من أساسها…