الـنووي الإيرانـي.. بيـن رهانـات أوبامـا وثوابـت الإمـام
أحمد الشرقاوي
بغض النظر عن ردود الفعل المناوئة لإتفاق فيينا، والتي لا يمكن وصفها إلا بالعاطفية، البعيدة كل البعد عن النظرة العقلانية، لأنها لا تستند إلى رؤية واضحة مبنية على فهم دقيق لأحداث التاريخ، أو إدراك عميق لحقيقة السياسة الأمريكية بين الثابت والمتحول.. فإن السؤال الذي يجب أن ننطلق منه في التحليل لفهم جوهر الموقف الأمريكي تجاه إيران هو التالي:
– هل يمثل الإتفاق النووي الإيراني، من وجهة نظر أمريكا، بداية تحول حقيقي نحو عالم متعدد الأقطاب، من خلال اعتماد أسلوب الحوار بين الحضارات للقبول بقيم الآخر المختلف بديلا عن أسلوب صراع الحضارات الذي أثبت فشله حتى الآن.. أم أن الأمر بالنهاية لا يعدو أن يكون مجرد تغيير في المقاربة والأسلوب، فيما الأهداف الإستراتيجية الكبرى لا تزال قائمة، وتتجاوز مخاوف "إسرائيل” وهواجس "السعودية”؟..
هذا السؤال المنهجي، يستمد شرعيته من ثوابت السياسة الأمريكية التي رسمتها الدولة العميقة في امبراطورية روما الجديدة، والتي تقوم على متلازمتين أساسيتين:
الأولى، منذ انهيار الإتحاد السوفياتي سنة 1991، وضعت أمريكا لنفسها هدفا كونيا حاسما، مؤداه، أنه وفي ظل الفراغ العالمي الذي خلفه هذا الإنهيار الدراماتيكي، على أمريكا أن تعمل لتصبح القوة الوحيدة المهيمنة على العالم.
الثاني، أن السلاح الأنجع لتحقيق هدف الهيمنة هو سلاح القيم، بحيث تتم محاربة كل القيم المخالفة لثقافة الغرب لفرض النموذج الثقافي "اليهودي – المسيحي”، باعتباره يمثل القيم الإنسانية السامية والنهائية، من مدخل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
أما الوسيلة، فقد تكون الحروب المباشرة كما شهدها العالم إبان ولايتي ‘بوش’ الإبن، أو الحروب الناعمة بالوكالة التي ميزت ولايتي ‘أوباما’ تحت شعار "التغيير” المضلل، بسبب التداعيات الكارثية التي خلفتها الحروب المباشرة على الإقتصاد الأمريكي.. وبالتالي، لا شيء تغير في ما له علاقة بثوابت السياسة الأمريكية، لأن التغيير في حقيقة الأمر طال المقاربة والأسلوب فقط لا غير..
ونذكر جميعا مبدأ الرئيس ‘بوش’ الأب الشهير الذي أطلقه في غشت عام 1990 حين قال: "لايمكن أن نسمح لأي كان أن يمس بقيمنا ونوعية حياتنا”.. وصنو هذا الكلام، هو بالضبط ما سبق لابن خلدون أن فسر به نظريته لصعود وسقوط الحضارات والصراع بين الدول حين أكد: (إن أول شيء يقوم به المنتصر هو فرض قيمه على الطرف الخاسر)، وتشمل هذه القيم في التعريف الأمريكي اليوم، اللغة واللباس والسلاح وأسلوب الإستهلاك ونمط العيش وطريقة التفكير، إلى أن يتم القضاء على ثقافة وقيم الآخر المختلف انسجاما مع مقولة "نهايـة التاريـخ” وسيادة الحضارة الغربية كنموذج نهائي لا يمكن للبشرية أن تبتدع خيرا منه..
ونذكر بالمناسبة، أن مقولة ‘بوش’ الأب هذه، كانت بداية إعلان "نظام العولمة” الجديد، وتحويل العالم إلى قرية صغيرة بفضل ثورة المعلومات والإتصالات وفرض النوذج الليبرالي الإقتصادي الذي ينتزع السلطة من يد الشعوب والحكومات المنتخبة ويضعها في يد المؤسسات المالية الكبرى والشركات العابرة للقارات، بما يتيح للحكومة العالمية السرية بـ”عولمة الفاشية” الإمبريالية من خلال التصدي للإديولوجيات الثورية المناهضة، القومية والدينية على حد سواء، ما يتيح لها تفجير هوية الشعوب والتشكيك في حضاراتها باسم الحداثة، فيما "الحداثة” نفسها كلمة لا معنى لها حتى عند الغرب، وتعود في حقيقة الأمر للثرات الثقافي الفرنسي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر..
والعولمة كما عرفها عالم المستقبليات الدكتور ‘المهدي المنجرة’ رحمه الله في كتابه (الإهانة في عهد الميغا إمبريالية): "ليست حركة خاصة بالإقتصاد ولا الليبرالية… بل كيف يمكن أن أفرض عليك قيمي، لأن الحرب الحضارية، وبالخصوص على كل ما هو غير يهودي – مسيحي، هي حرب صليبية في جوهرها”.. وهذا يعني حكما، أنك لكي تكون حداثيا وتتمتع بمزايا العولمة الزائفة، عليك أن تؤمن بنهائية الثقافة "اليهودية – المسيحية”، والله تعالى يقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة: 120.
أليس هذا بالضبط هو ما أوضحه ‘بوش’ الإبن عشية انطلاق حرب الخليج الفارسي الثانية، حين قال، أن الله ألهمه ليخوض حربا دينية ضد الأشرار، وهو ما كتبت عنه جريدة لومود الفرنسية في حينه مقالا بعنوان مثير ومعبر يقول: "الحرب الصليبية العاشرة”.. في إشارة إلى أن الحرب القادمة ستكون ضد "االقيم الإسلامية” التي تمثل العدو البديل عن "القيم الشيوعية” المنهارة، وهي بهذا المعنى، تعتبر استمرارا للحروب الصليبية التسعة القديمة التي حسمها المسلمون لصالحهم في القدس الشريف زمن القائد صلاح الدين الأيوبي..
من هنا يمكن فهم كل ما حدث في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب تحرير الكويت، واحتلال العراق، والعدوان الصهيوني على لبنان، وحروب غزة، والحرب الكونية في وعلى سورية، وحرب اليمن.. وهي جميعها حروب ضد القيم العربية النبيلة والإسلامية السامية، استعمل فيها الإرهاب كحصان طروادة لتحقيق نصر حاسم على محور المقاومة بهدف بسط الهيمنة الأمريكية وتكريس الإحتلال الصهيوني كدولة طبيعية في المنطقة، سواء من خلال وصم الأنظمة المارقة بدعم الإرهاب (العراق وسورية وإيران نموذجا) واعتبار المقاومات الشريفة مجرد منظمات ومليشيات إرهابية (حزب الله اللبناني، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحشد الشعبي العراقي، وأنصار الله في اليمن)، أو من خلال الإستثمار في الإرهاب "الصهيو – وهابي” الحقيقي الذي تدعمه أمريكا نهارا جهارا، في ما أصبح يعرف بحروب "الضد النوعي” أو "إسلام ضد الإسلام” لتحطيم الخصوم من خلال تشويه قيمهم وتخويف العالم منها.
ومعلوم إيضا، أن "إسرائيل” كما "السعودية” لعبا في إطار هذه الحروب الحضارية الخبيثة دور الأداة المخربة، وهو ذات الدور الذي لعبوه أيضا في الحروب القديمة، سواء تلك التي خيضت ضد القومية العربية زمن ناصر، أو ضد "الثورة الإيرانية” في فجرها بهدف وأدها في مهدها.
ومرد هذا النوع الجديد من الحروب بالوكالة التي عرفتها المنطقة مع ثورات الربيع العربي انطلاقا من ليبيا، يعود بالإساس لإدراك أمريكا أن قوتها لا تكمن في جيوشها، لأن الجيوش لا تستطيع قهر إرادة الشعوب المقاومة، هذا مستحيل كما تؤكد سنن الله وقوانين التاريخ وتجارب الأمم السابقة، ولنا في انتصار حزب الله في لبنان، والمقاومة الشريفة في العراق، والمقاومة الفلسطينية في غزة، والصمود الأسطوري للقيادة والجيش والمقاومة والشعب في سورية، والملاحم التي تحدث في اليمن أيضا، الدليل الواضح على ذلك..
لكن قوة أمريكا الحقيقية تكمن في ضعف العرب أساسا، وخصوصا الشعوب العاجزة المستسلمة التي لا تقاوم من منطلق الواجب الجهادي القرآني، ومرد ذلك يعود إلى الفجوة العميقة القائمة بين الشعوب من جهة والحكام من جهة أخرى، وعدم وجود مشروع ثقافي قومي أو إسلامي يقوم على مبدأ التحرر من الهيمنة والتحرير من الإحتلال، واستبداله بشعارات جوفاء لا تعني عمليا ما تقول.. هذه هي معضلة العرب الحقيقية التي حولت تخلفهم إلى قدر محتوم، وأدامت تبعيتهم واستعبادهم وجعلت إهانتهم إهانة عظيمة دائمة، فأصبحوا مجرد بشر بلا وزن ولا قيمة، غثاءا كغثاء السيل..
وبهذا المعنى، نعرف جميعا، أن لا وجود في عالمنا العربي بل والإسلامي ايضا لدولة حرة سيدة ومستقلة عن النفوذ الأمريكي باستثناء سورية العربية وإيران الإسلامية.. أما الباقي، فعبارة عن دول محتلة من قبل امبراطورية روما الجديدة، وأن جوهر هذا الإحتلال يقوم أساسا على تنصيب وكلاء مفوضين بتنفيذ السياسات الأمريكية بعلاتها لا يحيدون عنها قيد أنملة، وكل ما يقوله الزعماء العرب في خطبهم الرسمية أو تصريحاتهم الإعلامية هو نوع من الزنا بالكلام من باب التضليل، مستغلين في ذلك جهل الغالبية العظمى من الناس من جهة، واقصاء المعارضين والمخالفين لسياساتهم الإنبطاحية من خلال رابوع: "الإعلام – المخابرات – الأمن – القضاء”.
ومرد هذا الوضع بالأساس، إلى أن ما نصفه في عالمنا العربي بديكتاتورية الإقطاع، هو في الأصل من صنع الغرب، الأمر الذي مهد لهذا التحالف الضمني، السري والعلني، بين الأنظمة المستبدة الفاسدة والعميلة وبين قوى الإستكبار القديمة (فرنسا وبريطانيا)، أو الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهدفه كما هو واضح لكل ذي عقل ودين، هو الدفاع عن الإستعمار القديم الجديدة، بحيث رحل القديم عن الحقول وبقي الجديد في العقول كما يقول مالك بن نبي رحمه الله، أما المدخل فيكون من خلال علمنة النخبة ابتداءا في أفق علمنة المجتمع على المدى البعيد، الأمر الذي يضمن تغيير ثقافة الشعوب وقيمها إلى أن ينتهي بها الأمر إلى تبني ثقافة وقيم الغرب الإستعماري بوجه إنساني مخادع.
وعلى ضوء ما سلف، يصبح السؤال التالي مشروعا: – إذا كانت أمريكا ومعها دول الغرب الإستعمارية (فرنسا وبريطانيا)، قد قبلوا الإعتراف بإيران "الثورة الإسلامية” كدولة طبيعية في المنظومة الدولية، وأقروا رسميا بحقها في دورة التكنولوجيا النووية كاملة غير منقوصة وولوجها نادي القوى النووية الكبرى من أوسع أبوابه، مع رفع الحصار عنها، الأمر الذي سيحولها في بضع سنين إلى عملاق دولي إقتصادي وعسكري.. فما الذي قدمته إيران في المقابل؟..
الجواب هو: "لا شيــئ” بالمطلق، فلا هي اعترفت بـ”إسرائيل” كما كانت تشترط الأخيرة، ولا هي تعهدت بتغيير نهجها من "إديولوجية الثورة” إلى "منطق الدولة” والقطع مع سياسة دعم حركات المقاومة في المنطقة، ولا هي قبلت بالتفاوض حول قضايا وأزمات دول المنطقة المركبة، وإيران "الثورة” لن تخون قيمها الإسلامية ومبادئها الإنسانية، ولن تقبل بالتفاوض مع أمريكا حول شؤون المنطقة قبل أن تحسم أمريكا سياساتها في ما يتعلق بـ”إسرائيل” و "السعودية”، ودعمها للإرهاب، بل والإستثمار فيه لتغيير خرائط المنطقة ومصير شعوبها..
هذا الموقف الثابت الذي نسجله لإيران بمداد الفخر ونؤيدها بسببه، يقودنا لطرح السؤال المنهجي التالي: – ماذا أراد الرئيس ‘أوباما’ بهذا التنازل غير المسبوق في تاريخ المفاوضات الدبلوماسية بين القوى العظمى وإيران القوة الصاعدة المنتصرة، وما هي رهاناته الحقيقية من محاولة التقارب مع إيران؟..
هناك من يعتقد، من منطلق قراءة سطحية بعيدة كل البعد عن المعرفة الحقيقية بالنظام السياسي الإسلامي وقناعات الشعب في إيران، أن رهان أوباما هو على تغيير النظام الإيراني من الداخل من خلال ترجيح كفة الإصلاحيين على حساب المحافظين، وهذا وهم بعيد المنال ورهان على السراب يستند إلى نظريات علم الإجتماع السياسي الغربي الذي لا يأخذ بعين الإعتبار البعد الإيماني الديني باعتباره بعدا جوهريا في الثقافة الإسلامية..
أما الجواب الحقيقي، فنجده في إستراتيجية أوباما التي وضعها سنة 2012، والتي على أساسها خطط لتغيير بوصلة التوجه الأمريكي، من الإهتمام بقضايا الشرق الأوسط الصعبة بسبب طابعها الديني المعقد والإديولوجي الثوري العالي المخاطر، إلى الإستدارة نحو آسيا حيث الثقل العسكري والإقتصادي والمالي يتشكل بعيدا عن هموم الغرب ومشاغله العبثية، ويهدد بتقويض هيمنة إمبراطورية روما الجديدة في بضع سنين قد لا تتجاوز 10 إلى 15 سنة على أقصى تقدير..
وحيث أن سياسة الإحتواء بالعقوبات الإقتصادية من جهة، والحروب المباشرة والناعمة من جهة أخرى، لم تسفر عن نتائج إيجابية تذكر لمحاصرة إيران واستنزافها حد تفجيرها بثورة شعبية من الداخل كما كانت تراهن على ذلك "إسرائيل” من غبائها..
وحيث أن إعلان الحرب على إيران ليس الخيار البديل الأنزع لما يمثله من مخاطر كبيرة على المصالح الأمريكية في المنطقة، بسبب امتلاك إيران لمروحة واسعة من الخيارات بمعية حلفائها، وقد تؤدي مثل هذه المقامرة الخطيرة إلى حرب إقليمية تتطور بسرعة الضوء إلى حرب عالمية ثالثة وفق ما أكد خبراء كبار في الغرب..
وحيث أنه حتى لو تم الإكتفاء بتوجيه ضربة محدودة للقدرات النووية الإيرانية، فإن ذلك لن ينهي برنامجها، بل على العكس وفق ما يعتقد أوباما نفسه، فقد يدفعا ذلك إلى التفكير جديا في خيار انتاج القنبلة النووية لحماية نفسها كما فعلت كوريا الشمالية، وهو الأمر الذي نستبعده تماما بسبب تحريم الإسلام لاعتماد خيار أسلحة الدمار الشامل في الحروب..