إعادة الانتشار والمناطق التجريبية مفهوم إسرائيلي
ناصر قنديل
أدخل اتفاقُ الإطار الثلاثي إلى القاموس اللبناني مصطلحين يبدوان جديدين: «المناطق التجريبية» و«إعادة الانتشار». لكنهما ليسا ابتكاراً خاصاً بالحالة اللبنانية، بل هما أداتان معروفتان في التجربة التفاوضية الإسرائيلية. الجديد فعلاً هو جمعهما في صيغة تمنح “إسرائيل” حق اختبار الجيش اللبناني، وتعليق عودة السكان وإعمار القرى على نتائج الاختبار، من دون أن تقدم في المقابل التزاماً ملزماً بالانسحاب.
تنص المادة الثانية من الإطار على عملية متسلسلة ذات شروط واضحة، يستعيد الجيش اللبناني خلالها السلطة الفعلية على الأراضي اللبنانية، بعد نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها بصورة متحقق منها، بما «يمكّن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً إلى خارج الأراضي اللبنانية».
كلمة «يمكّن» هي مفتاح النص. فهي لا تقول إن إسرائيل «تلتزم» عند نجاح لبنان بإخلاء مواقع محددة خلال مهلة محددة، بل تقول إن النجاح اللبناني يجعل إعادة الانتشار ممكنة. أما الملحق الأمني فيقدم صيغة أقوى قليلاً، تتحدث عن خفض تدريجي مشروط وصولاً إلى إعادة الانتشار، لكنه لا يحدد موعداً نهائياً، ولا يرسم خطوط التنفيذ، ولا يضع جزاءً على “إسرائيل” إذا امتنعت أو تأخرت.
في المقابل، التزامات لبنان واضحة وقابلة للقياس: نزع كامل ومتحقق منه لسلاح جميع الجماعات المسلحة، وتفكيك بنيتها، وضمان ألا تكون لها أي قدرة عسكرية «في أي مكان في لبنان». لبنان يُقدّم النتيجة أولاً، ثم تفتح “إسرائيل” البحث في حجم المقابل وتوقيته كمجرد إمكانية.
الفارق بين الانسحاب وإعادة الانتشار معروف في التجربة الإسرائيلية. ففي اتفاقيتي فصل القوات المصرية الإسرائيلية عامي 1974 و1975، أعادت القوات انتشارها خلف خطوط جديدة، وأقيمت مناطق فصل ومراقبة دولية، لكن “إسرائيل” بقيت داخل أجزاء واسعة من سيناء. كانت إعادة الانتشار انتقالاً من خط عسكري إلى آخر داخل أرض بقي قسم منها محتلاً.
وعندما وصل التفاوض إلى كامب ديفيد ومعاهدة السلام عام 1979، تغير المصطلح لأن النتيجة تغيرت. نص الاتفاق على انسحاب جميع القوات والمدنيين الإسرائيليين إلى ما وراء الحدود الدولية، وإزالة المستوطنات، واستئناف مصر ممارسة سيادتها الكاملة. جرى الانسحاب على مراحل، لكن النهاية والمهلة والحدود كانت محددة سلفاً. ولم يكن لـ”إسرائيل” حق وقف المرحلة الأخيرة بحجة عدم اقتناعها بأهلية الجيش المصري.
في الضفة وغزة ظهر النموذج الآخر. نص إطار كامب ديفيد الفلسطيني على انسحاب قسم من القوات الإسرائيلية، ثم «إعادة انتشار القوات المتبقية في مواقع أمنية محددة». وتكرّس هذا المنطق في أوسلو: تتسلم السلطة الفلسطينية إدارة السكان والأمن الداخلي في مناطق محددة، بينما تحتفظ “إسرائيل” بالأمن الأعلى والحدود والمستوطنات وقرار الانتقال إلى المراحل التالية.
وفي هذا السياق استخدم الإعلام الإسرائيلي مصطلح «المناطق التجريبية» لوصف اتفاق «غزة وأريحا أولاً». لم ترد العبارة في المتن القانوني، لكنها كشفت وظيفة المنطقتين: اختبار قدرة السلطة الفلسطينية على الإدارة وضبط المقاومة وتنفيذ الالتزامات الأمنية، ثم توسيع التجربة أو تجميدها وفق النتائج. المنطقة التجريبية هي قاعة الامتحان، وإعادة الانتشار هي المقابل المشروط بالحصول على شهادة النجاح.
الإطار اللبنانيّ يستعيد البنية نفسها، لكنه يطبقها على دولة ذات سيادة وجيش وطني. والأكثر غرابة أن القرى التجريبية اللبنانية غير محتلة، وكان الجيش منتشراً فيها أصلاً ويطبق حصرية السلاح بيد الدولة. ومع ذلك احتاج تثبيت دخوله وصلاحياته في ثلاث قرى إلى شهر من التفاوض، ثم أُخضع أداؤه للتحقق والقبول الإسرائيليين.
إذا استغرقت هذه الخطوة المحدودة شهراً، وقد يستغرق التحقق من نتائجها أشهراً إضافيّة، فكم يحتاج تعميم النموذج على كامل لبنان؟ قد تستغرق عملية نزع السلاح والتحقق منها والحصول على القبول الإسرائيلي عشر سنوات. ولا يحتوي الاتفاق على مهلة لإصدار نتيجة التحقق، ولا يعتبر التأخير قبولاً، ولا يُلزم “إسرائيل” بتنفيذ مقابل تلقائي. يكفي أن تطلب أدلة إضافية، أو تعتبر التفكيك ناقصاً، أو تشكك في قدرة الجيش على منع عودة السلاح، كي تتوقف العملية.
إعادة الانتشار بدل الانسحاب لا تغطي فقط احتمال بقاء مواقع برية. فالنص لا يلزم “إسرائيل” بوقف الطلعات والغارات والمراقبة الجوية، ولا يُعيد إلى لبنان السيطرة الفعلية والحصرية على أجوائه. تستطيع “إسرائيل” تقليص وجودها البري مع الاحتفاظ بحرية العمل من الجو، والادعاء بأنها أعادت انتشار قواتها خارج الأراضي اللبنانية. السيادة الجويّة تبقى لبنانية قانوناً، لكن السيطرة العملية تبقى إسرائيلية.
كما لا تستبعد الصيغة الاحتفاظ بنقاط مراقبة متقدّمة أو بحق دخول تحت عنوان التحقق. وهذه ليست فرضيّة بلا سابقة لبنانية. ففي اتفاق 17 أيار 1983، نصّت “إسرائيل” على انسحاب جميع قواتها من لبنان، لكنها حصلت في الملحق الأمني على إنشاء فرق إشراف لبنانية إسرائيلية، تضمّ عدداً متساوياً من الطرفين وتتمتع بحرية الحركة براً وبحراً وجواً داخل المنطقة الأمنية.
كان يمكن لهذه الفرق العمل ليلاً ونهاراً، وتنفيذ عمليات تحقق يومية، والانطلاق من مركزي إشراف داخل لبنان قرب حاصبيا وميفدون. ونص الاتفاق على وجود الإسرائيليين في “إسرائيل” عندما لا يكونون منخرطين في نشاطات داخل المركزين، بما يعني حق دخولهم إلى لبنان للمشاركة في المراقبة والتحقق وجمع المعلومات. كان الجيش الإسرائيلي يخرج بوصفه قوة احتلال، ثم يعود ضباطه بوصفهم مراقبين.
المفارقة أن اتفاق 17 أيار، رغم كل ما انطوى عليه من قيود ووصاية أمنية، تضمّن التزاماً صريحاً بانسحاب جميع القوات الإسرائيلية. أما الإطار الجديد فيستعيد وظيفة الرقابة الإسرائيلية، لكنه يستبدل الانسحاب بإعادة انتشار مشروطة ومفتوحة الزمن.
ويبقى الابتكار الأخطر في مصير السكان والإعمار. حيث تنص المادة الثالثة على أنه بعد تأكيد النجاح في نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية، يتولى الجيش المسؤولية الكاملة، وتبدأ جهود إعادة الإعمار، ويتمكن المدنيون من العودة. وبذلك لا تعود العودة حقاً يترتب على توقف القتال وزوال الخطر، بل مكافأة على نجاح اختبار أمنيّ.
قد يبقى السكان ممنوعين من العودة سنوات، لا بسبب استمرار المعارك أو وجود الألغام، بل لأن آلية التحقق لم تصدر شهادة النجاح. وقد يبقى إعمار القرى معلقاً طوال المدة نفسها، بينما لا يُطالب الاحتلال بالتعويض عن ما هدمه وجرفه، وخصوصاً المنازل التي دمّرها بعد احتلال القرى وانحسار القتال المباشر.
هنا ينقلب ترتيب المسؤوليات كاملاً. بدلاً من مطالبة “إسرائيل” بالانسحاب والتعويض، تُمنح حق المشاركة في تقرير أهلية الجيش اللبناني، وموعد إعادة انتشارها، وعودة السكان، وبدء الإعمار. تنتقل من موقع القوة المحتلة المسؤولة عن التدمير إلى موقع الحَكَم الذي يقرّر متى يستعيد المتضرر أرضه ومنزله.
إعادة الانتشار والمناطق التجريبية ليستا اختراعاً ولد صدفة في اتفاق الإطار الإسرائيلي اللبناني، بل مفهومان قديمان في القاموس الإسرائيلي لإدارة الاحتلال واختبار السلطة المحلية. أما الابتكار الخاص بلبنان فهو الصك الاستثنائي الذي يجعل السكان ومنازلهم ضمانة لتنفيذ شروط الاحتلال: لبنان ينزع السلاح، واللجنة تتحقق، و”إسرائيل” تقتنع أو لا تقتنع، فيما يبقى المواطن خارج قريته. وهذه ليست استعادة للسيادة، بل تحويل السيادة والعودة والإعمار إلى حقوق معلقة على شهادة حسن سلوك تصدر بموافقة الاحتلال.