kayhan.ir

رمز الخبر: 227121
تأريخ النشر : 2026July21 - 21:22

اليمن والحصار بالحصار

 

بدأ التصعيد اليمني – السعودي الأخير من مطار صنعاء، عندما مُنعت طائرة إيرانية من الهبوط، ثم تعرّض مدرج المطار للقصف بغارات جوية سعودية. وبعدما حمّلت صنعاء السعودية مسؤولية الاعتداء، وردّت باستهداف مطار أبها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، انتهت عملياً مرحلة الهدوء التي حكمت الجبهة منذ هدنة عام 2022.

لم تتوقف صنعاء عند الرد المحدود؛ فقد أعلن السيد عبد الملك الحوثي معادلة جديدة عنوانها: «مطار صنعاء بمطار الرياض، والمطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار». وقال إن المنشآت النفطية والحيوية السعودية أصبحت أهدافاً للصواريخ والمسيّرات إذا استمر الحصار، وإن الرد الأول لم يكن إلا تذكيراً بما تستطيع القوات اليمنية فعله.

بعد ذلك جاءت مليونية «التحذير والنفير»، وأعلنت الحشود تأييد الانتقال من التحذير إلى الفعل. وانتهت المهلة الممنوحة للرياض من دون تسوية تضمن فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وحرية حركة الأشخاص والبضائع، ودفع الرواتب، والاستفادة من عائدات النفط والغاز، وإغلاق ملف الأسرى.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، وقالت إن القرار دخل حيز التنفيذ منذ لحظة صدور البيان. وأكد محمد عبد السلام، القيادي في حركة أنصار الله، أن الخطوة جاءت بعد أربع سنوات من المماطلة منذ هدنة 2022، ومحاولة السعودية تقديم نفسها وسيطاً في مشكلة يمنية داخلية، بينما تواصل التحكم بالمطارات والموانئ والواردات والعائدات.

اختارت صنعاء صيغة دقيقة، فلم تعلن إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الدولية، بل خصصت الحظر بالسفن السعودية أو المرتبطة بالمصالح والموانئ السعودية. وهذا يتيح لها ترك الملاحة الدولية خارج دائرة الاستهداف، وتركيز الضغط على الطرف الذي تتهمه بفرض الحصار عليها.

ولا يقتصر نطاق الخطر على السفن العابرة لباب المندب؛ لأن الناقلات الخارجة من ينبع وجدة باتجاه قناة السويس تسير في البحر الأحمر، وتبقى ضمن المجال الذي تستطيع الصواريخ والمسيّرات اليمنية الوصول إليه. وبذلك يهدد القرار الطريقين معاً: الطريق الجنوبي نحو باب المندب وآسيا، والطريق الشمالي من ينبع نحو قناة السويس وأوروبا، بالإضافة إلى ما قد يعبر من سفن سعودية عبر مضيق هرمز ويصل إلى بحر العرب.

تزداد أهمية القرار بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فقد لجأت السعودية إلى زيادة استخدام خط الأنابيب «شرق – غرب» لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع، باعتباره بديلاً من هرمز. لكن الحظر اليمني ينقل الخطر إلى هذا البديل، ويجعل النفط السعودي مهدداً سواء خرج من الخليج أو من البحر الأحمر.

لم تسجل حتى الآن عملية استهداف سفينة سعودية تنفيذاً للقرار، لكن أثره الاقتصادي بدأ قبل الضربة الأولى؛ فقد ارتفعت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب في البحر الأحمر من نحو 0.3 في المئة إلى 0.75 في المئة من قيمة السفينة. فقرار الإبحار لا تتخذه الحكومة السعودية وحدها، بل تشارك فيه شركات الملاحة والتأمين وإعادة التأمين والمصارف والمالكون والمشغّلون.

هنا تظهر المفارقة التي عرفها العالم في هرمز: منع الملاحة لا يحتاج إلى قوة تساوي القوة المطلوبة لحمايتها. يستطيع المهاجم أن يفشل في إصابة تسع سفن وينجح في إصابة العاشرة، فيثبت أن الطريق غير آمن. أما القوة الحامية فعليها النجاح في كل مرة، لأن إصابة ناقلة واحدة تكفي لرفع التأمين ودفع الشركات إلى تغيير مساراتها.

لقد اختبرت الولايات المتحدة وبريطانيا هذه المعادلة طوال عامين في البحر الأحمر؛ نشرتا المدمرات وحاملات الطائرات، واعترضتا صواريخ ومسيّرات، ونفذتا ضربات داخل اليمن، لكنهما لم تستطيعا إعادة الملاحة المرتبطة بـ”إسرائيل” إلى طبيعتها. نجحتا في إسقاط عدد كبير من المقذوفات، وفشلتا في تقديم الضمان الذي تحتاج إليه التجارة: ألا يصل أي مقذوف إلى أي سفينة.

في المقابل، وضع الفريق اليمني المناوئ لحكومة صنعاء برئاسة رشاد العليمي نفسه في مقدمة المواجهة، وهو يستطيع تقديم واجهة سياسية فقط بحيث يطلب دعم التحالف والقوات الدولية، وتحريك القوات المنتشرة على الساحل، ومنح السعودية غطاءً للقول إنها تستجيب لطلب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وهذه محاولة لإعادة تعريف الصراع باعتباره مواجهة بين حكومة وجماعة مسلحة، لا حرباً سعودية يمنية.

لكن هذا الغطاء لا يغيّر المعادلة البحرية؛ فقوات العليمي لا تستطيع ضمان السفن أو منحها وثائق التأمين. كما تستطيع السعودية قصف صنعاء والحديدة ومنصات الإطلاق، لكنها لا تستطيع تحويل تفوقها الجوي إلى ضمان لعبور ناقلات النفط. وقد يؤدي القصف إلى توسيع بنك الأهداف اليمني ليشمل المطارات والموانئ والمنشآت النفطية السعودية.

أما الولايات المتحدة فهي المتضرّر السياسي الأكبر من تهديد النفط السعوديّ، لأن ارتفاع الأسعار وكلفة النقل يزيدان الضغوط على الرئيس دونالد ترامب. ولا تملك واشنطن حلاً عسكرياً جديداً بعدما أخفقت قواتها في إبعاد اليمن عن البحر الأحمر. والطريق العملي الوحيد هو الضغط على السعودية للاستجابة للمطالب اليمنيّة ورفع القيود عن المطارات والموانئ والموارد والرواتب.

أما اعتماد المقاربة الأيديولوجية التي تعتبر المواجهة مع إيران ومع مَن تسميهم واشنطن «وكلاءها» حرباً واحدة، فسوف يجمع هرمز وباب المندب في أزمة طاقة واحدة، ويزيد الغارات والأسعار من دون ضمان عبور السفن.

الرياض أمام خيارين: تسوية تنهي أسباب الحظر، أو حرب تستطيع إشعالها ولا تستطيع ضمان نتائجها؛ لأن المهاجم يحتاج إلى إثبات قدرته مرة واحدة، بينما يحتاج الحامي إلى إثبات الحماية مع عبور كل ناقلة.

البناء

captcha