لماذا يعرف السوق أكثر من الحكومات؟
– عندما يقول الرئيس الأميركي إن مضيق هرمز مفتوح، بينما يواصل سعر النفط ارتفاعه وتمتنع الناقلات عن العبور، فأي الروايتين أصدق: كلام الرئيس أم سلوك السوق؟ الجواب لا يحتاج إلى موقف سياسي مسبق، لأن للمضيق معياراً مادياً لا يقبل التأويل: كم ناقلة عبرت، وكم برميل نفط وصل إلى السوق، وكم أصبحت كلفة التأمين والشحن؟ الممر البحري لا يُفتح ببيان عسكري، بل بعبور تجاري منتظم تستطيع شركات الملاحة والتأمين تكراره يومياً.
– تملك الحكومات أجهزة استخبارات وجيوشاً وأقماراً صناعية، لكنها لا تنشر دائماً ما تعرفه، ولا تبني خطابها السياسيّ حصراً على الوقائع. الرئيس الأميركي لا يتحدث بصفته محللاً محايداً؛ إنه قائد حرب يريد تثبيت الثقة، ومنع الذعر، وخفض أسعار النفط، وإقناع شركات النقل بأن الحماية الأميركية فعالة. وقد تعرف الإدارة أن العبور لا يزال شديد الخطورة، لكنها تقول إن المضيق مفتوح لأنها تريد صناعة واقع نفسي وسياسي يساعد على فتحه.
– هنا يتقدم السوق بوصفه مصدراً أكثر دقة، لا لأنه يمتلك أسراراً أكثر من أجهزة الدولة بالضرورة، بل لأنه أقل قدرة على تجاهل المعلومات التي لا تناسبه. والخطأ في خطاب الحكومة قد يُعالج بتفسير جديد أو تحميل الخصم المسؤولية، أما الخطأ في تقدير شركة نفط أو شحن أو تأمين فقد يكلفها ناقلة بمئات الملايين من الدولارات، أو شحنة بمئة مليون، أو تعويضات تأمين هائلة، أو عقداً نفطياً يؤدي سوء تسعيره إلى خسائر بالمليارات.
– السوق ليس مجموعة تجار جالسين أمام شاشات الأسعار، كما يوحي التعبير الشائع. وراء حركة البرميل شركات خبرة واستخبارات تجارية عملاقة، مثل «كبلر» و«فورتكسا» و«ستاندرد أند بورز غلوبال إنرجي» و«ويندوارد» و«كونترول ريسكس». تضمّ هذه الشركات آلاف العاملين ومئات المحللين، وتستعين بمدراء سابقين في شركات النفط والمصافي، وقباطنة ومسؤولي موانئ، ودبلوماسيين وضباط استخبارات وعسكريين متقاعدين، وخبراء عقوبات وتأمين وتمويل وتجارة بحرية.
– وتستخدم هذه المنظومة صور الأقمار الصناعيّة البصرية والرادارية، وإشارات التعريف الآلي للسفن، والتقاط الترددات اللاسلكية، وبيانات الموانئ والجمارك والتأمين، وقياس غاطس الناقلة لمعرفة إن كانت محملة أو فارغة، ومراقبة خزانات النفط والمصافي. وعندما تطفئ ناقلة جهاز التعريف أو يجري تزوير موقعها، تستطيع الصور الرادارية كشفها ليلاً وفي الطقس السيئ، فيما تسمح مقارنة حركتها السابقة وملكيتها وعقودها بتقدير حمولتها ووجهتها.
– شركة «ستاندرد أند بورز غلوبال إنرجي» وحدها تضمّ أكثر من خمسة آلاف موظف في ستين مكتباً. وتبلغ القيمة المقدرة لشركة «كبلر» عدة مليارات من الدولارات، لأنها تملك قواعد بيانات خاصة تجمع معلومات الأقمار الصناعية والشحن والجمارك والطاقة. أما شركات المخاطر، فلديها غرف عمليات تعمل أربعاً وعشرين ساعة وشبكات من الخبراء والمصادر المحلية. إنها، بهذا المعنى، أجهزة استخبارات خاصة تعمل لحساب شركات النفط والمصارف وشركات التأمين والمستثمرين؛ «كونترول ريسكس» مثلاً، هي شركة أمن واستخبارات تجارية تضم، وفق التقديرات المهنية، نحو 3500 موظف موزعين على أكثر من أربعين مكتباً. ولديها فريق يفوق مئة خبير في المخاطر الجيوسياسية والتنظيمية والبحرية والأمنية، إضافة إلى وحدات تحقيقات وأمن ميداني ومراكز مراقبة تعمل على مدار الساعة. وتقول الشركة إن زبائنها يشكلون 80% من شركات «فورتشن 500».
– لكن الفارق الحاسم بينها وبين أجهزة الحكومات ليس حجم الإمكانات، بل طبيعة المهمة. الحكومة تسأل: كيف نحافظ على الردع ونمنع ظهور الفشل؟ أما السوق فيسأل: هل تصل الشحنة وفي أي موعد وبأي كلفة؟ الحكومة تستطيع وصف مرور ناقلة واحدة بحماية الأسطول بأنه نجاح، لكن السوق يقارنها بعشرات الناقلات التي يجب أن تعبر يومياً. والحكومة تستطيع القول إن القوات الأميركية دمّرت رادارات ومنصات إيرانية، أما السوق فيسأل إن كان هذا الدمار قد خفض قسط التأمين وأعاد الطواقم والسفن إلى المضيق.
– ولهذا يشكل عدد الناقلات وسعر البرميل المؤشرين الأصدق على وضع هرمز. عدد الناقلات يقيس النتيجة المادية المباشرة، بينما يجمع السعر آلاف المعلومات والتقديرات والقرارات في رقم واحد. فإذا أعلنت واشنطن نجاح عملياتها وبقي العبور صفراً أو محدوداً، فهذا يعني أن شركات الشحن لم تصدّق أن الخطر زال. وإذا قالت الإدارة إن الإمدادات مؤمنة وارتفع النفط من 70 إلى 88 دولاراً، فهذا يعني أن شركات الطاقة والتأمين والمصارف لا ترى الإمدادات آمنة.
– لا يعني ذلك أن السوق لا يخطئ أو لا يبالغ، لكنه لا يستطيع الاستمرار طويلاً في إنكار الوقائع. فالتقدير الخاطئ يكلفه المليارات، بينما قد يخدم التقدير السياسي الخاطئ حاجة انتخابية أو تفاوضية مؤقتة. لذلك، عندما تتعارض تصريحات الرئيس الأميركي مع حركة الناقلات وسعر البرميل، لا يكون السوق قد دخل في سجال مع البيت الأبيض؛ إنه يقول ببساطة إن المضيق لا يُفتح بالكلام، وإن الحقيقة التي تحمل النفط هي الناقلة، والحكم الذي يصدّقه العالم هو السعر.