مفاوضاتٌ أم تفويضٌ بالاحتلال؟
شوقي عواضة
منذ توقيع اتفاق الهدنة عام 1949، تعاملت الدّولة اللّبنانيّة رسميّاً بالصّراع مع العدوّ “الإسرائيليّ” بوصفه نزاعاً يتعلّق بالسّيادة والحدود والاحتلال. وحتّى بعد الانسحاب “الإسرائيلي” عام 2000، بقي الخطاب الرّسميّ اللّبنانيّ يركّز على قضايا مثل مزارع شبعا، والنّقاط الحدوديّة المتنازع عليها، والانتهاكات الجويّة والبريّة، وتطبيق قرارات مجلس الأمن، بما يعكس مقاربةً قانونيّةً وسياديّةً للنزاع لا يقيم لها العدوّ “الإسرائيلي” وزناً ولا لكلّ القوانين الدوليّة ومؤسّساتها، في المقابل تُظهر الأدبيات الأمنيّة الصّهيونيّة أنّ لبنان لا يُنظر إليه باعتباره مجرد دولةٍ مجاورةٍ، بل كجزءٍ من البيئة الاستراتيجيّة الشّماليّة المرتبطة بمفهوم الأمن القومي “الإسرائيليّ”. ففي مراكز الدّراسات الصّهيونيّة ووثائق مركز بيغن ـ السّادات لا يقتصر النّقاش على الحدود مع لبنان بل يمتدّ إلى منع تشكّل أيّة بنيةٍ عسكريّةٍ معاديةٍ شمال “إسرائيل”، وقطع خطوط النّفوذ الإيرانيّ، والحفاظ على التّفوّق العسكريّ، وهو ما يجعل تعريف الصّراع أوسع من مجرد ترسيم الحدود. فلبنان وفقاً للمفاهيم التوراتيّة يندرج ضمن (إسرائيل الكبرى)
وفقاً للتّيّارات القوميّة والدّينيّة داخل كيان العدو فبعض الشّخصيّات والأحزاب تستند في خطابها إلى رواياتٍ توراتيّةٍ وتاريخيّةٍ تعتبر أجزاء من جنوب لبنان جزءاً من الإرث التّاريخيّ أو من المجال الحيوي لأمن “إسرائيل”. كما سبق أن صدرت عن شخصيّاتٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ تصريحات تربط الأمن “الإسرائيلي” برؤيةٍ تاريخيّةٍ أو دينيّةٍ تتجاوز الاعتبارات الحدوديّة التّقليديّة، وآخرها إعلان نتنياهو مشروع (إسرائيل الكبرى) بالرّغم من وضوح الأطماع الصّهيونيّة التّاريخيّة في لبنان تصرّ السلطة على المضيّ بما يسمّى “اتفاق الإطار” مع كيان العدوّ “الإسرائيليّ” من خلال تشريعها رسميّاً لاحتلال الأراضي اللّبنانيّة وارتكاب المزيد من عمليّات القتل والإبادة بحقّ شعبها وتدمير قرى بكاملها وتقديم صكّ براءة واعتراف بشرعيّة العدوّ الصّهيوني على أرض فلسطين.
فالسّلطة التي فشلت في حماية الجنوب منذ نشوء كيان العدوّ الغاصب وأخفقت في بناء الثّقة مع الجنوبيّين تسعى اليوم إلى استعادة سيادتها على أشلائهم وعلى ما تبقّى من ركام قراهم. وما نصّ عليه اتفاق الإطار من بنودٍ مذلّةٍ تسقط السّيادة عن لبنان فهي ليست سوى إملاءاتٍ أميركيّةٍ “إسرائيليّةٍ”. ففي البند الثّالث من الاتفاق الذي ينصّ على تولي الجيش اللّبنانيّ تدريجياً المسؤوليّة الأمنيّة الكاملة والفعّالة في (مناطق تجريبيّة) هو مجرد إذعانٍ للشّروط “الإسرائيليّة”، فالسيادة تُفرض ولا تُستجدى، وهل يوجد في قواميس السّياسة (سيادة تجريبيّة)؟
أمّا في البند الخامس حيث يبرّر العدوّ الإسرائيليّ عدوانه كنتيجةٍ مباشرةٍ للهجمات والتّهديدات التي تُشكِّلها الجماعات المسلحة غير الحكوميّة، لا سيّما «حزب الله»، وأنَّ إنهاء هذا التّهديد، إلى جانب (التّرتيبات الأمنيّة المتفق عليها)، سيُنهي أيّة حاجة مستقبليّة للعمل العسكريّ أو الوجود العسكريّ “الإسرائيليّ” في لبنان، كما تؤكّد أنَّها لا تملك أيّة مطامع إقليميّة في لبنان.
والسّؤال هنا هل شكّل حزب الله تهديداً للعدوّ حين استباح هذا العدو قرى الجنوب وارتكب المجازر في حولا وصلحا وغيرها من القرى عام 1948؟ وأين كانت السّلطة حينها لتحمي الجنوبيّين؟ وصولاً إلى اليوم وبعد اتفاق وقف اطلاق النار في 27-11-2024 أين كانت السّلطة من حماية الجنوب والدّفاع عنه على مدى 15 شهراً من استمرار العدوان على الجنوب واستشهاد أكثر من خمسمئة مواطن وتدمير المنازل؟ ولغاية السّاعة وبعد زيارة الرّئيس عون لواشنطن ما هي الإنجازات التي حققتها السّلطة التي تلهث خلف الاتفاق؟
بالرّغم من رفض أغلب الشّرفاء من اللّبنانيّين للاتفاق المذلّ وبالرّغم من الشّواهد التّاريخيّة والمعاصرة على نكث الصّهاينة للاتفاقيات من أوسلو الذي حوّل السّلطة الفلسطينيّة إلى ما يشبه (المجلس البلديّ) وتحويل الأجهزة الأمنيّة إلى قوى أشبه بجيش (العميل أنطوان لحد) وانقسام الشّارع الفلسطينيّ لم تمنع التّنازلات التي قدّمها محمود عباس ولم تردع عدواناً عن غزّة ولا الضّفة، بل فتحت شهية العدوّ على المزيد من الاعتداءات ولم تستعِد شبراً من الأرض ولم تحرّر أسيراً ولم تكسر حصاراً.
أمّا في لبنان فلن تشفع (صداقة ترامب) للبنان حقّه في المقاومة والسّيادة الحقيقيّة، ولن تحرّر الأرض والأسرى باتفاقٍ مذلٍّ، شرعَن إرهاب العدوّ وأباح قتل الجنوبيّين برعايةٍ دوليّةٍ وانتهك السّيادة بقرارٍ أميركيٍّ وأمميٍّ، أمام عدوٍّ لا يُردع باتفاق هنا وزيارات هناك بل بقوّة لبنان ووحدة شعبه وثلاثيّة الجيش والشّعب والمقاومة، فالخطر الذي يحدق بلبنان هو من عدوّه وليس من شعبه ومقاومته وأبنائه الذين ضحّوا بأبنائهم وأرزاقهم دفاعاً عن كرامتهم وعن لبنان. فمن الأجدى للسّلطة أن تحاور شعبها لا أن تفاوض عدوّها، وتفرض سيادتها بقوة أبنائها وتضحياتهم لا باتفاقٍ أقلّ ما يمكن أن يُقال فيه إنّه تفويضٌ بشرعنة الاحتلال الإسرائيليّ وليس مفاوضات…