إيران ، هل هي الخطر فعلا ؟ .
أحمد الحباسى
يتحدث الزعماء العرب بلغة الواثق و المصمم بأن أمريكا عدو و أن إسرائيل عدو أيضا لذلك فقد سمعنا طيلة سنوات كل الشعارات و كل الأغاني و كل الخطب الرنانة التي تدعو الشعوب العربية للاستعداد للساعة الصفر التي ستحددها اتفاقية الدفاع العربي المشترك للانقضاض على هذا العدو و تدميره و طرده من بلاد العرب المحتلة ، من أنور السادات إلى ياسر عرفات ، و من الملك عبد الله إلى الملك عبد الثاني ، سمعنا نفس الموال و الموشح المشروخ ، و انتظرنا ، انتظار الواثق ، انتظار القابض على الزناد ، انتظار المتردد ، انتظار اليائس ، و لم يحصل شيء ، و لم يأت الأمر ، و لم تتحرك القوات و لا المدافع و لا الطائرات ، فقط ، حرمونا من كل حقوق الإنسان ، عرفنا الزنازين الموحشة ، تجرعنا مرارة النكسات العربية المتتالية ، فشلت الشعارات و الخطب في تحقيق الهدف و الأمنية ،سنوات مريرة مرة اختزلتاها تباعا في ” على من نطلق الرصاص ” ، الرصاصة لا تزال في جيبي ” ، "إحنا بتوع الأوتوبيس ” ، "وراء الشمس ” ، لم نقطف من الحلم إلا ورقات ذابلة اسمها "معاهدة” كامب ديفيد و "معاهدة” وادي عربة و ” معاهدة ” واى ريفر .
على مدى ثمانية عقود هي عمر المملكة السعودية، رائدة دول ما يسمى "بدول الاعتدال العربي ” لم نحقق أي انتصار و لم نطلق رصاصة واحدة على أمريكا رغم أن قواعدها على مرأى حجر من شباك قصر الملك السعودي ، لم يتحرك جيش المسلمين السعودي لضرب إسرائيل ، لم يكن الأمر عاديا و مناسبا للشعارات المرفوعة و لا للبيانات المتتالية للقمم العربية التي حرصت المملكة أن لا تخرج عن طوعها طيلة عقود من الزمن ، و على مدى نفس المدة باعت الأردن كل الخيارات المتاحة في مزاد الخيانة و دخلت شريكا في لعبة صهيونية قذرة لإسقاط ما تبقى من الأصوات الرافضة للهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة ، أيضا لم يتخلف محمود عباس و بقية الشلة في حضور هذا المزاد البائس لبيع حقوق الشعب الفلسطيني إرضاء لتمنيات الشقيقتان مصر و السعودية ، وحدها سوريا من رفضت و وحده الراحل حافظ الأسد من وقف ندا بالند للرئيس بيل كلينتون في تلك المقابلة الشهيرة بإحدى الفنادق في العاصمة السويسرية سنة 1994 .
ثلاثة أجيال كاملة من حكم آل سعود و من سيطرتهم التامة على الجامعة العربية لم تتحقق فيها إلا النكسات و الهزائم التي أفقدت العمل العربي الموهوم كل بوصلته حتى بات العداء العربي العربي سمة بارزة لهذه السنوات العجاف الأخيرة ، فقط إسرائيل هي من استفادت من انقسام و تقسيم الدول العربية ، فقط أمريكا هي من تقف بوارجها اليوم على مرمى حجر من كل دول "الاعتدال العربي” لتسقطها في اللحظة المناسبة تماما كما فعلت مع العراق و ليبيا و السودان ، لكن الملوك السعوديون و من والهم من الأنظمة الموالية للمشروع الصهيوني ما زالوا مصرين على أنه أول من يقف في وجه أمريكا و إسرائيل و أن من عطلهم و شوش على رؤيتهم و تصميمهم هي إيران و ما يسمى بخطر تمددها الشيعي ، ليبقى السؤال ، هل كان الشاه المخلوع محمد رضا بهلوى صديقا للعرب أم شرطيا للخليج خدوما للصهيونية ؟ فلماذا لم يعتبره آل سعود عدوا للعرب بل لماذا وفر له الرئيس السادات الملاذ الآمن بعد أن طردته سيدته الولايات المتحدة .
أمريكا و إسرائيل أعداء معلنون لإيران ، و بكل اللغات نقرأ هذه العداوة و نتفهم أسبابها من الجانبين ، لكن ما لا نفهمه أو لا نريد ، كيف تكون السعودية مثلا عدوة لإيران ؟ كيف تجاهر المملكة بحالة العداء و تنصب المشانق الفكرية و "الدينية” و الإعلامية لما تسميه حالة التشيع ؟ أليست هناك قاعدة ثابتة تقول أن عدو عدوى هو صديقي ،أم أن ما تنضح به كل وسائل الإعلام من كون السعودية لا يمكنها أن تكون صديقة لإيران لان هذا الأمر هو مطلب صهيوني أمريكي لا محيد عنه هي الحقيقة المغيبة ، و أن شماعة التشيع و الخطر الشيعي هي منتج صهيوني تماما كما كان الخطر الشيوعي هو منتج أمريكي طيلة سنوات الحرب الباردة ، لذلك نقول أن الخطر الفعلي الذي كان على دول الاعتدال قراءة حسابه ليس إيران بل هي القراءة السياسية الخاطئة للحكام العرب سواء للواقع أو لمتطلبات المرحلة .
لقد حصلت الثورات العربية بغثها و سمينها ، و حصلت المفاجأة المدوية لان السعودية هي من قادت ما يسمى في العرف السياسي بالثورة المضادة ، ثورة مضادة انطلقت في بداية الأمر في مصر ثم في سوريا و في ليبيا و تونس تحت مسميات و عناوين منافقة مختلفة ، و المؤسسة الدينية السعودية الفاسدة هي من تقود هذه الثورات المضادة بواسطة منظومة جهزتها المخابرات الصهيونية التركية السعودية لتكون حصان طروادة الذي يختفي وراءه مشروع الفوضى الخلاقة و مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أسقطت بعض أجنحته المقاومة العراقية الباسلة ، و لا غرابة إذن أن نجد اليوم نظام السعودية هو من يقود هذه الحملة المضادة سواء بغاية حماية هذا النظام الشمولي من الانهيار أو من باب إيجاد الذرائع لضرب الدول العربية، و رغم أن بعض الثورات العربية لم تكن على مقاس و في حجم طموحات الثورة الإيرانية فلم تأخذ إيران على حد علمنا موقفا مضادا أو رافضا لهذه الثورات و لم تسع إلى إجهاضها و لم تدخل في محاور إقليمية أو دولية لإسقاطها كما فعلت السعودية.
من حق السعودية أن تكون حليفة لإسرائيل ، و للغرب عموما ، فهذا النظام ولد من رحم المؤامرات الغربية البريطانية ، و من حق الأردن أن يكون كذلك و هو من خلق من رحم الإرادة البريطانية أيضا ، لكن الثورة الإيرانية و مهما قيل و يقال هي ثورة شعب ضد إمبراطورية الفساد السابقة و هي لم تنخرط أبدا في لعبة المحاور الدولية و لم تكن طرفا في معاداة أو إسقاط أنظمة كما تفعل السعودية منذ عقود من الزمن ، و عندما تقف حماس في عز خيانتها لسوريا مشيدة بالدور الإيراني العسكري في قدرتها على مواجهة العدوان الصهيوني على غزة فهذا التصريح في حد ذاته صفعة لدول الاعتدال بمن فيهم السعودية و صفعة على خد كل المتآمرين على القضية و تأكيد ثابت على زيف شعارات طالما كانت السبب في ضياع فلسطين و إثبات مادي بأن السعودية هي عدوة العرب الأولى و أن إيران هي نصيرة القضايا العربية الأولى ، فمن يكون العدو ؟ من يكون الصديق ؟ . أسال و أريد أن أعرف .