kayhan.ir

رمز الخبر: 22401
تأريخ النشر : 2015July12 - 20:34

كلمـة الســر.. في محـور المقاومـة

أحمد الشرقاوي

فــي أهميـــة المناسبـــة..

حل اليوم العالمي للقدس هذه السنة في أجواء ملبدة بالفتن المتنقلة والإرهاب المتناسل كالفطر على امتداد جغرافية العالم العربي من الماء إلى الماء.. لم تعد فلسطين هي الهم المشترك إلا بالنسبة للذين لم يضيعوا البوصلة من المجاهدين الأبرار في محور المقاومة، الماسكين على الجرح النازف كالماسك بالجمر بصبر وثبات رغم شدة الألم الذي يعصر القلب، وهم قلة على كل حال مقارنة بئات الملايين من المسلمين في العالم..

هذا الأمر ذكرني في ليالي القدر المباركة بتصنيف رب العباد للناس إلى فئات ثلاثة: الفئة الأولى، وصفهم تعالى بـ”المقربين”، وهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين من رجال الله العارفين.. الفئة الثانية، قال عنهم تعالى أنهم "أصحاب اليمين”، وهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين من عباده الأوفياء الذين آمنوا واستقاموا وأخلصو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.. الفئة الثالثة، سماهم تعالى بـ”أصحاب الشمال”، وهم الضالون المترفون الذين لا هم لهم سوى مصالحهم الأنانية في الحياة الدنيا ولا يحسبون للقائه تعالى يوم القيامة حساب..

وإذا جاز لنا مقارنة هذه الصورة ولو مجازا بحقيقة الأمة اليوم، نستطيع القول، أن "المقربين” هم رجال الله في محور المقاومة، الذين يدفعون ضريبة الدم من أجل عزة ونصر وكرامة الأمة.. وأن "أصحاب اليمين” هم الأحرار الشرفاء الداعمين لمحور المقاومة بالموقف الشجاع والكلمة الحرة والدعاء الصادق، وهم على كل حال ثلة قليلة مقارنة بعدد من يدعون الإسلام في العالم اليوم، أما "أصحاب الشمال” فحدث ولا حرج، من مملكة القهر والشر أداة أمريكا وحليفة "إسرائيل”، مرورا بالأنظمة العربية العميلة ومؤسساتها العربية والإسلامية المتواطئة، وانتهاء بالشعوب المضللة التي تعيش كالقطيع المدجن، تخشى التحرر من الجهل والعبودية والظلم، ويطيب لها العيش في ظل الفساد والإستبداد، وتصدق الخطاب الرسمي كما لو كان وحيا منزلا، وتتماهى مع شعارات الحكام الخونة الذين باعوا فلسطين وتخلوا عن قبلة المسلمين إلى أن تحل بهم المصيبة في العاجلة قبل الآجلة، فلا يجدون من ينقذهم من الهلاك.

حتى التاريخ عندما نستنجد به لمعرفة أحوال الأمم التي سبقتنا، نكتشف أن النصر كان دائما يصنع من قبل قلة من الشرفاء أصحاب المبادئ الذين يلتزمون بعدالة قضية أمتهم، ويضعون أرواحهم بين أيديهم قربانا لله، طمعا في رضاه، وورجاءا في تحقيق وعده بالنصر والفتح المبين..

وحيث أنها سنة الله في الخلق، فلا شيئ تغير بين الأمس واليوم، ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة، هو ما تميز به اليوم العالمي للقدس هذه السنة، من خلال إطلالة رموز الأمة الثلاثة:

الأول: الإمـام الخامنئـي حفظـه الله..

حيث ركز في كلمته على تذكير المسلمين بواجبهم الديني المقدس المتمثل بتحرير فلسطين، باعتباره ليس قضية إيرانية خاصة أو شيعية خالصة، بل قضية كل المسلمين الشرفاء في العالم، لأنه "ليس ثمَّة اختلافٍ أبداً بين جميع المَذاهِب الإسلاميّة المعروفة، والفقهاء كلُّهم مُجمِعون على أنَّه إذا احتُلَّت قطعة من التُّراب الإسلامي من قِبَل الأعداء، وسادَ أعداءُ الإسلام على تلك القطعة من الأرض، فَعلى الجميع أن يَعتبِروا الجهاد والسَّعي لإعادة تلك القطعة إلى الأرض الإسلاميّة واجبهم الديني المقدس”، وفق تعبيره.

وطبعا لم يطلب الإمام الخامنئي من الشعوب االإسلامية إعلان الجهاد أو القيام بما هو فوق استطاعتها، بل يكفي أن تتحد أمة محمد على قلب رجل واحد وتنزل للشوارع للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني المظلوم ورفض الإحتلال الصهيوني والتواطؤ الأمريكي والغربي والعربي الخبيث..

كان بامكان مثل هذا الموقف أن يشكل زلزالا قويا يذب الرعب في واشنطن وعواصم الغرب و”إسرائيل” وفي قصور "آل سعود” وكل الحكام العرب الخونة، ويجعلهم يحسبون ألف حساب وحساب لهذه الأمة المنبعثة من رماد الإحتلال والفتن والخراب، فتفشل بذلك مؤامرة الإرهاب الصهيوأمريكي والوهابي التي أريد لها أن تشغل المسلمين عن ما يوحدهم ويشحد هممهم ويفتح الطريق لهم نحو غد أفضل مفعم بالنصر والعزة والكرامة..

لكن شيئا من هذا لم يحصل للأسف، وبالتالي، هذا يعطي مؤشرا واضحا لتخلي الشعوب عن قضية أمتهم المركزية، ما يفقدهم كرامتهم وعزتهم واحترام شعوب الأرض لهم، ويشجع الإحتلال على مزيد من الإجرام في حق الفلسطينيين، ويدفع أمريكا وحلفها الأطلسي إلى إشعال المزيد من الفتن والخراب والقتل والتمزيق في الجسد العربي والإسلامي، ويساعد الأنظمة العربية العميلة على مزيد من الخضوع والتبعية والإستسلام وتقديم التنازلات مقابل الحفاظ على عروشها المتهاوية.. وعلى الشعوب السلام.

الثانـي: السيـد عبـد الملـك الحوثـي نصـره الله..

والذي أثبت شعبه اليمني أصالة معدنه العربي النقي وقوة إيمانه وصلابة موقفه من قضية أمته المركزية، فخرج رغم القصف والدمار والجوع والحصار ليسجل موقفا مشرفا رائعا داعما لفلسطين وقدس المسلمين، هذا في الوقت الذي لم نسجل موقفا مشرفا من الفلسطينيين ولا من العرب والمسلمين في حق هذا الشعب المجاهد المظلوم، وهو الذي أعلن جهارا نهارا للعالم أجمع أنه ينتمي إلى محور المقاومة كنهج، وأن قدره أن يشارك محور المقاومة في تحرير فلسطين وقبلة المسلمين حال يحقق الأنتصار وتعود له سيادته واستقلال قراره، وهذا ما يرعب أمريكا و”إسرائيل” و”آل سعود” اليهود..

ولعل أبرز ما أعلنه القائد المجاهد السيد عبد الملك الحوثي في الكلمة الصادقة التي ألقاها بالمناسبة، هو انقلاب المفاهيم رأسا على عقب، بحيث أصبح كل من يناصر فلسطين اليوم متهم بأنه "إيراني”، وكل من يهادنها ويقبل بوجودها في المنطقة يعتبر "عروبي”، وأن آل سعود لا إنسانية فيهم ولا أخلاق، بل هم مجرمون متوحشون، وأن الحرب” الأمريكية – السعودية” على اليمن تحولت إلى حرب بلا أهداف بفضل صمود الشعب اليمني الأبي، وأن لا حل سياسي يلوح في الأفق، وأنه إذا استمر العدوان، فسيقدم اليمنيون على "خطوات إستراتيجية كبيرة”..

هذا الكلام، يذكرني بمقولة سماحة السيد حسن نصر الله حفظه الله، حين توجه إلى المقاومين الشرفاء ذات خطاب قائلا لهم بثقة وحزم: "قد يأتي يوم ندعوكم فيه لدخول الجليل، فاستعدوا لذلك اليوم”..

وترجمة إعلان السيد عبد الملك الحوثي مؤداه، أنه لن يكون بعد اليوم خط أحمر في مواجهة إجرام آل سعود، فالخيارات كثيرة، من قصف القصور الملكية بصواريخ "سكود” المتطورة الدقيقة وشديدة الإنفجار، إلى استهداف المواقع الإستراتيجية الحساسة النفطية والعسكرية وغيرها، إلى الإجتياح البري.. لأنه ليس بمقدور السعودية الدفاع عن مواقعها على الحدود فأحرى دخول اليمن أو مواجهة إجتياح الشعب اليمني المجاهد لشبه الجزيرة العربية بلباس الإحرام (كما نتمنى).. حينها سيسقط نظام "آل سعود” ويتداعي بسرعة الضوء كقصر من رمال يستحيل أن يصمد أمام الأمواج البشرية، سواء القادمة من اليمن أو الثائرة في الداخل.. وهذه الحقيقة تعرفها السعودية وتتخوف منها أمريكا لما تمثله من ضياع لمصالحها..

هذه الرسالة فككت رموزها أمريكا بقلق كبير، وفهمت أنه في حال عدم الإتفاق مع إيران حول ملفها النووي كمدخل لحل قضايا المنطقة، فلن يكون لجنون اليمنيين حدود، لا بل أخطر من ذلك، حتى الحشد الشعبي الذي طالبته طهران بضبط النفس، لن يوجه البنطقية إلى”داعش” في العراق فحسب، بل ولجنود أمريكا أيضا ليرحلوا أذلاء دون رجعة، وأوباما يعرف معنى أن تخسر بلاده اليمن والعراق، ويفهم المخاطر التي يضع فيها مصالح بلاده في السعودية إذا نفذ السيد عبد الملك الحوثي تهديده ورافق ذلك انفجار ثورة في السعودية، لأنه لن يكون بمقدور أوباما إعلان الحرب ضد شعوب المنطقة في اليمن والعراق وشبه الجزيرة العربية، وهذه هي القنبلة النووية الحقيقية التي تخيف أمريكا..

وبالتالي، لا حل أمام أوباما ولا خيار إلا بالرضوخ صاغرا لخطوط إيران الحمراء بشأن حقوقها النووية المشروعة قبل الحديث عن مصالح أمريكا، والتي لا يجب أن تمس مقدسات محور المقاومة بحال من الأحوال، وخصوصا لجهة الإعتراف بإسرائيل أو الإلتزام بأمنها، لأن للثورة الإيرانية ثوابت ومبادئ لا تباع ولا تشترى، وزمن الهيمنة بالقوة انتهى إلى غير رجعة، والشعوب في محور المقاومة هي من تصنع النصر اليوم وتكتب التاريخ بمداد الفخر والعزة والكرامة شاء من شاء وأبى من أبى، ومن لم يعجبه الأمر فليشرب البحر بتعبير الراحل ياسر عرفات رحمه الله..

الثالــث، سمـاحة السيـد حسـن نصـر الله حفظـه الله..

تفكيك خطاب سماحة السيد يطول شرحه، وقد نعود لبعض مفاصله وتفاصيله في مقالات مقبلة، لكن لا بد من الوقوف في هذه العجالة على جوهر الرسالة التي أراد أن يبعثها سماحته للأمة..

بصدقه المعهود، وإخلاصه لربه، ووافئه بوعده لأمته، وبرؤيته الواضحة التي يستمدها من نور ربه قبل معطيات الواقع ومجريات الأحداث، حاول سماحته أن يجيب على سؤال غاية في الأهمية غالبا ما يتجاهله الإعلام ولا تدرك أبعاده الحقيقية الشعوب، وهو: – من المستفيد من الفتن والقتل والخراب في المنطقة؟..

الجواب نجده في تركيزه على ملخص ما توصل إليه الصهاينة في مؤتمر هيرتزيليا المنعقد الشهر الماضي، ومفاده، أن البيئة الإستراتيجية الأمنية لإسرائيل لم تكن في أحسن أحوالها كما هي اليوم، حيث العرب منشغلون بذبح بعضهم بعضا، والإرهاب يدمر المؤسسات ويخرب الأوطان ويمزق الشعوب، وأن لا خطر يهدد أمن الكيان اليوم، لا من الأنظمة العربية وجيوشها ولا من شعوبها، وحدها إيران هي الخطر الداهم بمعية محورها المقاوم، والذي تمثل سورية حلقته الذهبية، لأنه إذا سقطت سورية سقطت فلسطين وانتهى العالم العربي إلى الأبد.

وحيث أن المقاومة في لبنان تمثل تهديدا إستراتيجيا لـ”إسرائيل”، إلا أن هذا التهديد لا يرقى لمرتبة التهديد الوجودي الذي تمثله إيران بالنسبة إلى الكيان الصهيوني المجرم، وبالتالي، لا نستطيع كعرب ومسلمين أن نكون اليوم مع فلسطين من دون أن نكون مع إيران، لأن من يقف اليوم ضد إيران المسلمة يقف من حيث يدري أو لا يدري ضد فلسطين، خصوصا في زمن التحالفات حيث لم تعد تنفع منظومة الدولة القومية في مواجهة التحديات الخطيرة المفروضة على المنطقة برمتها.

لذلك، كانت رسالة سماحة السيد واضحة جلية، ومفادها، سورية لن تسقط مهما قتلتم ودمرتم ومزقتم وأشعلتم من فتن وحكتم من مؤامرات، سورية صامدة، قد تعرف بعض الإنتكاسات، لكنها كطائر الفينق تنبعث دائما من الرماد، فتعيد الكرة وتسقط الرهانات الخاسرة وتستعيد السيطرة على الأرض..

سورية ليست لوحدها، بل معها إيران وروسيا ومحور المقاومة الذين لن يتخلوا عنها مهما طال الزمن واشتذ الخراب، وأن مصير المؤامرة هو الفشل، فلا تفرحوا بحرب أهلية طائفية أو مذهبية في سورية أو غيرها، محور المقاومة صامد وسينتصر في نهاية المطاف حتى لو استمر القتل والدمار لسنين قادمة.

وأن "إسرائيل” التي هي أصل الإرهاب وقامت بفضل منظمات إرهابية، طبيعتها وماهيتها الإرهاب لن تستطيع الإنخراط في محور الإعتلال العربي بدعوى محاربة الإرهاب، في حين أن هدفها هو غير ذلك، هذا لن ينجح ولن يستقيم، لأن من يحارب الإرهاب اليوم هي إيران ومحورها، وليس أمام العرب من خيار إلا التحالف مع طهران لوضع حد لهذا الشر الذي لن يستثني أحدا قريبا كان أم بعيدا.. لا أحد اليوم في مأمن من الشر القادم سواء في مصر أو تونس أو الجزائر أو الخليج نفسه..

والحقيقة أن ما قاله سماحة السيد هي نصيحة مخلصة من رجل شريف مخلص أصاب كبد الحقيقة في ظرف بالغ الدقة وخطير الحساسية، وللتذكير، فقد سبق وأن ختمت مقالتي السابقة بعنوان: "كيف أضاع العرب البوصلة بين الدين والسياسة؟” بالفقرة التالية التي تترجم حرفيا المعنى الذي أراد إيصاله سماحة السيد لأمته، وذلك كاللتالي:

"لا حل للعرب والمسلمين للخروج من هذا المأزق الكارثي الوجودي والمصيري الذي أدخلتهم فيه ‘السعودية’، إلا بإدراك أن الحل يكمن في التحرر والتحرير، وأول الطريق يكون بمعرفة أعداء الأمة والوقوف في وجه مشاريعهم الخبيثة، وفي هذا يتفق العقلاء والشرفاء أن أولوية الأوليات تكون بالوقوف في وجه حلف المنافقين الذي تتزعمه ‘السعودية’، لأن القضاء على المنافقين يسهل عملية تحرير فلسطين من الصهاينة وتحرير الدول العربية من الهيمنة الإمبريالية الغربية.. لذلك، لا مناص من الوقوف كأمة واحدة موحدة خلف إيران باعتبارها القاطرة التي تقود اليوم مسيرة التحرر والتحرير في المنطقة”.

وهذا لا علاقة له بأن يكون الإنسان سني أو شيعي أو مسيحي، عربي أو فارسي أو كردي أو درزي أو أمازيغي أو غيره، لأنها قضية عدالة ودفاع عن الوجود والمصير..

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد، واجعلني يوم القيامة من الشهداء..