kayhan.ir

رمز الخبر: 22326
تأريخ النشر : 2015July11 - 20:46

صلاة مشتركة..عودة وعي أم أعراض شيزوفرينيا مزمنة؟

نبيل نايلي

لا يمكننا، ونحن من شطّ مذاقنا في التحذير من نار المحرقة الطائفية التي نُساق إليها، أن نُبارك وأن نسعد بما رأينا مؤخّرا في الكويت والبحرين من مظاهر تلاحم وتضامن في وجه أدوات حروب الجيل الرابع من الذين غُرّر بهم، وآلة الموت التي غدرت بالركّع السجود الصائمين في عزّ شهر رمضان.

أن يصمّم أمير الكويت شخصيا على الحضور والمشاركة في صلاة مشتركة يحضرها مُصلّون من "الطائفتين” في مسجد الدولة الكبير، في مدينة الكويت، وهو الجامع الذي ضمّ مجلس عزاء لضحايا الهجوم الغادر الذي استهدف مسجد الإمام الصادق، وأن يؤدّي عشرات المصلين من "السنة” و”الشيعة” صلاة الجمعة معاً في بلدة عالي ـ ذات الأغلبية "الشيعية” ـ قرب العاصمة، وإن تأخّر كثيرا بعد الذي بلغناه من فُرقة وتباغض وتصدّع داخل النسيج الإجتماعي والوطني، إلاّ أنّه –إن صدقت النوايا- خطوة في الإتجاه الصحيح نحو تصحيح المسار وعودة الوعي ونموذج مشرّف يُحتذى به في وحدة الصف والحفاظ على الوحدة الوطنية التأكيد على الهوية المشتركة وحقن دماء المسلمين والوقوف بوجه المتآمرين ضد الأمة في الداخل والخارج.

إلاّ أنّ مجرّد الصلاة المشتركة التي تعقب حدثا جللا وجريمة نكراء كان الجميع يعلم أنها ستحدث في ظلّ مناخ الشحن اليومي من منابر ومساجد أذن المولى أن يُذكر فيها اسمه وفي عزّ الأشهر الحرم، ومجرّد التذكير بوحدة وطنية مغدورة والتباكي على ضحايا كنّا قادرين على تجنيبهم مصير المحرقة، سيظلّ مجرّد تعبيرة شيزوفرينية وانفصام مزمنة ما لم يعتمد من يهمّهم الأمر سياسات مختلفة جذريا ونهجا خطابيا متعارضا تماما مع الذي يصمّ آذاننا صباح مساء.

آن الأوان، إذا كنّا فعلا جادّين أن نقي أمتنا طوفان ومسالخ الطائفية، أن نعتمد استراتيجية شاملة ومستدامة! شاملة من حيث اجتراحها للحلول العاجلة لمعالجة ما لحق ويلحق من تشوّه في المنظومة القيمية وضرب للفكرة الجامعة وتدمير للحلم الجماعي، من المناهج التربوية إلى التنشئة الدينية مرورا ببرامج واضحة للتعاطي مع المسألة الطائفية إلى التشريع وقوانين تجريم الشحن الطائفي فالتمثيل السياسي واعتماد المواطنة وليس الطائفة مقياسا، فالتوزيع العادل للثورة، وغيره ممّا لا يزال ينفذ منه المتربّصون متى ظهر لهم نتوء في الجبهة الداخلية! ومستدامة من حيث أنها لا بد أن تتعاطى مع الخطر المحدق بنا جميعا بغير ردة الفعل والمناسباتية التي تطبع أغلب تحرّكاتنا.

هل يعي وزراء داخلية مجلس التعاون الخليجي وهم من وقّعوا بيان اجتماعهم "الاستثنائي” الذي عقدوه في الكويت مؤخّرا، مؤكّدين –كعادتهم- على "وحدة الدول الخليجية” وأمنها الذي "لا يتجّزأ”، هل يعون أنّ مجرّد صلاة مشتركة واجتماع استثنائي كائنا من كان من يحضره، لن يرأب الصدع العنيف الذي كانوا ولا زالوا أوّل من سمح بشحذ معاوله، ولن يخفّف من حالة الاحتقان التي يؤجّج لهيبها العدمي وعّاظ ودعاة ومؤسّسات دينية رسمية وغير رسمية وقنوات الضخّ والتجييش الطائفي من الجهتين على مدى سنوات!

هؤلاء الذين يصفهم فقهاؤكم وخطباؤكم وساستكم وبرلمانيوكم وشعراؤكم ب”الشيعة الرافضة” تارة وب”المجوس والصفويين” حينا آخر، حتى لا ينزلوا إلى ما هو أحقر وأدنى، كنعت بعضهم إخوة المواطنة بعد الدين، وهم على المنابر ب”أبناء المتعة” ، هؤلاء وبين مذبحة وأخرى أضحوا ذات صلات، وإن كانت محمودة وإن متأخرة كثيرا كثيرا "أخوة في الوطن والعقيدة”!

على من يهمّه أمن الخليج الفارسي وأمن بقية الأواني المستطرقة من هذا الوطن المستباح ويعنيه فعلا أن يوقف هذا التدحرج السريع والمؤكّد إلاّ لمن يتلذّذ بحالة إنكار نحو حرب طائفية شعواء، وينتصر لوحدة وطنية يتباكى الجميع عليها بعد أن يسبق السيف العذل، عليه وعلى عجل التصدّي لنزيف التشظّي الذي تغذّيه سياسات الشيزوفرينيا الرعناء والاستراتيجيات القاصرة التي تشنّ الحروب في غير مواضعها وتصبّ حتى لا نقول تساهم في حروب الوكالة التي يشنّها أعداء هذه الأمة ويُطحن فيها شبابها وتُبدّد فيها مقدّراتها ويُعاد إليها مستعمروها في ثوب "حماة الديار”! عليه أن يلجم "وعّاظ الفتنة” ومفتيي الذبح و”مستحلّي” الأعراض ممّن لا يكلّون من "هندسة” عقول هؤلاء الذين يُغرّر بهم ليرسلوا حطبا في حروب وكالة لا يعرفون حتى من يوظّفهم ولماذا! عليه وضع حد لحرب اليمن التي تدمّر بلدا عربيا مسلما وتستنزف آخر دون أن ينفق العدو المركزي فلسا ولا يطلق رصاصة! عليه أن يوظّف هذه الفضائيات التي تنفث سمها الزعاف وتغتال الوعي لدى ناشئتنا! فلنعد ترتيب أولوياتنا وفق مصالحنا لا مصالح من يملك زمام الأمر ويكتفي بتسليح طرفي النزاع كل مرة حوّل قطرا من أقطارنا إلى الدولة الفاشلة في حرب لا غالب فيها! غير ذلك نكون نوغل في شيزوفرينيا ونؤسّس لحروب التدمير الذاتي بين ظهرانينا بأبنائنا وأموالنا ومصيرنا المشترك!

كلاّ، لا يكفي يا جناب عضو مجلس الأمة الكويتي، عدنان عبد الصمد، أن ننعت التكفيريين الذي خُلّقوا وتناسلوا أمامنا وفي وضح النهار، أن نحمد الله "أن جعلهم من الحمقى” الذين "يتوهّمون أنهم يفتنون بهذه الجريمة الشعب الكويتي ويزعزعون استقرار الكويت”، لسبب بسيط يا جناب عضو مجلس الأمة، أنّ من استطاع أن يُفرّخ أمثال شافي العجمي الذي تلذّذ في سادية لا توصف وعلى رؤوس الأشهاد بنحر طفل "شيعي” في دير الزور بسوريا، ولم يعاقبه أحد، في حين يُرمى شعراء من أجل قصيدة في السجون، قادر على تفريخ وتجنيد وتجييش وقود محرقتنا! أم أن "الشيعي” في الدول الخليج الفارسي وفي الكويت غير "الشيعي” في العراق وسوريا واليمن ولبنان؟؟ ذات المسؤولية نحمّلها لغلاة "الشيعة”، حتى لا يُقال تحامل فقط على "السنة”، -وقد وددت والله الأعلم لو اكتفيت بمجرّد لفظ المسلمين- هم أيضا إذا انخرطوا في هذا الشحن العدمي يحملون نفس الجريرة، ويقترفون نفس الخطيئة، إذ هم يدقوّن من حيث يشعرون أو لا يشعرون آخر إسفين في جسم هذا الوطن الذي تنخره ألف علّة وعلّة!

تفجيرات الكويت والقطيف والدمام، يا سادة، ليست إلاّ مقدّمة لمسلسل رهيب ودموي يتربّص بالجميع ولا يستثني أحدا ما لم تُغلّب لغة الحكمة والحلم وبعد النظر الإستراتيجي الذي يمكن أن يجنّب خليجنا الذي يراد له أن يتدحرج كما مشرق هذه الأمة الثكلى ومغربها إلى حيث خرائط رالف بيترز الدامية ومستنقع المسالخ الطائفية ومطحنة حروب الجيل الرابع التي لا تبقي ولا تذر!

ثمة مع ذلك من لا يزال يُصرّ على دخول مربّع اللاّ عودة…في "من” هذه لن نستثني ولا نفاضل.. عناصر فاعلة وجمهورا مفعولا به، أدوات وحطب المحرقة و مُحترفي اللّعب باللّهب العدمي!! كيف يمضي داعية كعائض القرني، ردحا من الزمن على المنابر يعظ ويؤلّف بين القلوب ويحضر الندوة تلو الندوة لحوار الأديان أيام كانت بغداد تُدكّ، ثم يكتب مثل الذي كتب؟ ماذا وفّر الواعظ الإسلامي كما ينعتونه، من أوصاف ليصف بها الصهاينة مثلا؟

هل استوعب الآن من توهّم للحظة والتبس عليه عداؤه لإيران فارتمي في أحضان الكيان الصهيوني ورام حربها في اليمن، أو لبنان في حروب استنزاف لا تفعل غير نفينا وراء شمس الفعل الحضاري؟ هل استوعب من يسلّح ويدرّب، كل هذه التنظيمات المعدّلة جيناتها استخبارتيا، لإرسالها إلى سوريا وليبيا ومصر في حسبة استراتيجية عدمية، متوهّما أنها مضبوطة الإيقاع والفعل، محدودة الفعل بأطلس جغرافي، ومحصورة زمنيا ومقدور على ترويضها والتعايش معها، وأنّ قرارها فعلا بيدها وليس بيد من يملك زمام أمرها فعلا.. توقيتا وتوظيفا؟

"الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”!