kayhan.ir

رمز الخبر: 2195
تأريخ النشر : 2014June16 - 21:30
سياسة الهيمنة العالمية لأميركا من فشل الى آخر

جورج حداد

القسم الاول

مع بداية انهيار المنظومة السوفياتية ثم الاتحاد السوفياتي في نهاية العقد التاسع من القرن الماضي، عممت البروباغندا المسمومة الاميركية فكرة جيوستراتيجية يتعلق بها مصير العالم، وهي الادعاء ان الولايات المتحدة الاميركية قد تحولت الى "القطب العالمي الاوحد”، وأن "العولمة الاميركية” هي "قدر محتوم” للعالم، وأنه لا مفر من الاستسلام لهذا "القدر المشؤوم”، الذي تطوعت جميع الطوابير الخامسة والخونة والانتهازيين والليبيراليين وانصار "الديمقراطية” الاميركية لتزيينه وتسويغه و”علمنته”، والادعاء ـ على اقل تقدير ـ ان الاستسلام السلمي لهذا "القدر الاميركي المشؤوم” سيساعد على التقليل من سلبيات وآلام نشره بالقوة الاميركية والناتوية والاسرائيلية العاتية التي لا مردّ لها. وقد تم اختبار هذا "القدر الاميركي” في العدوان الاسرائيلي الوحشي على لبنان في نيسان 1996، وهو ما كان يمثل "رسالة” تهديد دموية إبادية لكل من يقف بوجه الدور العولمي للقطب الاميركي "الاوحد”.

التمثيل بجثة يوغوسلافيا

وفي تلك الفترة طبق هذا "القدر الاميركي” على جمهورية يوغوسلافيا الفيديرالية التي، مثلها مثل الصين الشعبية، رفضت بعد الحرب العالمية الثانية ان تطبق عليها اتفاقية يالطا، اي ان تكون منطقة نفوذ غربية، ورفضت في الوقت نفسه ان تدخل في منطقة النفوذ الستاليني، واختارت طريقها "الاشتراكي” الخاص و”الحياد الايجابي” في السياسة الدولية. وتحت الشعارات المزيفة لحقوق الانسان والاقليات والاثنيات والاديان والقوميات والديمقراطية الاميركية، وبالتعاون مع الاوساط الرجعية في الفاتيكان التي تكن حقدا تاريخيا على الشعوب المسيحية الشرقية، جرى حبك وتنفيذ مؤامرة تأليب شعوب وطوائف جمهورية يوغوسلافيا الفيديرالية المتآخية بعضها على بعض، ودفعها الى التناحر والاقتتال وارتكاب المجازر ضد بعضها البعض، توصلا الى تمزيق الفيديرالية وتفكيكها الى جمهوريات متنازعة وتسهيل السيطرة على كل منها؛ وحرك الاميركيون أداتهم المتمثلة في حلف الناتو لشن حرب تدميرية أدت لتحويل صربيا الى احد افقر البلدان الاوروبية، كما تم بالاخص فصل اقليم كوسوفو عن صربيا وتحويله الى جمهورية البانية مستقلة، وهو ما يعني زرع قنبلة موقوتة في المنطقة لتفجير الحرب بين الالبان والشعوب السلافية الاخرى في المستقبل، لابقاء هذه المنطقة تحت رحمة الهيمنة الاميركية والغربية. وخلال هذه الحرب جرى توجيه رسالة تهديد مكشوفة الى الصين الشعبية، عبر قصف السفارة الصينية في بلغراد. كما ان روسيا، في عهد يلتسين حينذاك، لم تستطع ان تقدم اي مساعدة فعلية لصربيا سوى ان تنصحها عبر الخط الدبلوماسي بأن تستسلم للقدر المحتوم، وإلا ستواجه عواقب وخيمة جدا.

فرصة استعمار روسيا ولت الى الابد

وطوال العقد العاشر من القرن الماضي، اي خلال فترة حكم غورباتشوف ـ يلتسين، أتيحت للامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية "فرصة تاريخية” لن تتكرر لـ”استمالة” روسيا والهيمنة عليها عن طريق "القروض” و”المساعدات” و”المشاريع والمؤسسات المشتركة” وعزف اناشيد "الصداقة” الكاذبة مع روسيا. ولكن الامبريالية الاميركية، ووجهها الاخر اللصيق: الصهيونية العالمية، لم تستطع تغليب التطبع على الطبع، وكشرت عن انيابها المسمومة، وبالتعاون مع عملائها من المليارديرية اليهود الروس اللصوص، امثال خودوركوفسكي وبيريزوفسكي ومايكل تشورني وليف ليفايف وغيرهم، عملت على اذلال روسيا ونهبها وافقارها وتجويع وتطويع شعبها لتحويلها الى مستعمرة عالمثالثية بسرعة قياسية. وتم اضعاف الجيش الروسي (السوفياتي السابق) وشرشحته في حرب الشيشان 1996. وعلى المستوى المادي بدأت هذه الخطة الجهنمية تسجل النجاح، وانخفض عدد سكان روسيا في مدة زمنية قصيرة اكثر من عشرة ملايين نسمة، وظهر وكأنه بالامكان تطبيق الهدف الذي وضعه بريجينسكي بأن لا يتجاوز عدد سكان روسيا 50 مليون نسمة، اي ان تصبح من الامم الصغيرة التي يسهل الهيمنة عليها.

الانقلاب على البريسترويكا الخيانية

ولكن في نهاية العام 1999 تم الانقلاب الابيض على يلتسين، وصعد رئيس الوزراء حينذاك فلاديمير بوتين الى سدة الرئاسة في روسيا الاتحادية، يدعمه قادة الجيش والقوات المسلحة والمخابرات والقطاعات الاوسع من الجماهير الشعبية الروسية. وبدأ على الفور نفض الغبار عن الغواصات البعيدة المدى والقاذفات الاستراتيجية وآلاف الصواريخ النووية الروسية، وتوجيهها من جديد نحو جميع القواعد الناتوية وجميع القواعد العسكرية والمدن والاراضي الاميركية؛ وبدأت ازاحة الاوليغارخيين العملاء اليهود خصوصا عن ادارة البنوك والشركات الكبرى والاعلام، وسقط العديد منهم قتلى برصاص "مجهولين”، وزج "الامبراطور المالي” خودوركوفسكي في السجن وصودرت شركته العملاقة "يوكوس”، كما زج في السجن عشرات الالاف من ارباب الفساد، وفر بيريزوفسكي ومايكل تشورني وغيرهما من المليارديرية اليهود الى بريطانيا واسرائيل، وكان قد تم قبل ذلك سحق التمرد الشيشاني خلال تولي بوتين لرئاسة الوزراء في آخر عهد يلتسين.

بدايات تشكل المحور الروسي ـ الصيني

ومع بداية عهد فلاديمير بوتين انقلبت الى الابد اسطوانة "القطب الاميركي الاوحد”. وبدأت الخطوات الاولى لتشكيل " القطب المضاد” الذي سيكون له التأثير الاول في مصائر العالم في مرحلة تاريخية غير بعيدة ونعني به: المحور الروسي ـ الصيني العتيد. وبمبادرة مشتركة من الدولتين العظميين تم تشكيل "مجموعة شانغهاي” (روسيا، الصين، كازاخستان، قيرغيزنستان وطاجيكستان)، و”مجموعة بريكس” (روسيا، الصين، الهند، البرازيل وافريقيا الجنوبية).

العالم ليس اميركيا

وبهاتين التشكيلتين وبغيرهما من المبادرات تأكد ان العالم ليس اميركيا، ولن يكون. وفي حين ان الولايات المتحدة الاميركية كانت تعتقد ان اميركا اللاتينية هي "حوش خلفي لاميركا”، بدأت بلدان اميركا اللاتينية واحدة تلو الاخرى (كوبا طبعا، البرازيل، فينزويلا، بوليفيا وغيرها) واحدة بعد الاخرى، وبالطريقة الديمقراطية ـ الانتخابية تماما، تتمرد على "الغانغستر الشمالي”.

الهستيريا الماكارثية تنبعث بشكل جديد

وهذا كله ما جعل موجة من الهستيريا تجتاح البيت الابيض والبنتاغون والسي آي ايه و”وكالة الامن القومي الاميركي”، ومثلما سادت موجة الذعر والهلع من الشيوعية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما نتج عنها من ظاهرة " الماكارثية” الشهيرة، اصيبت القيادة الاميركية بموجة هستيريا ثانية، ولكنها هذه المرة غير محددة ايديولوجيا. و”استفاقت” كل اشباح مئات ملايين الهنود الحمر والزنوج العبيد والاسيويين والافريقيين والعرب والمسلمين واليوغوسلافيين وغيرهم الذين قتلتهم اميركا و”يهوديتها الاصلية” و”يهوديتها المسيحية”، بمختلف الاسلحة وبالمجازر وبالامراض وبالمجاعات، وصارت القيادة الاميركية تتصور "ان كل العالم يتآمر على اميركا”. واندفعت "وكالة الامن القومي الاميركي”، وبتوجيهات من البيت الابيض والبنتاغون والسي آي ايه معا، تتجسس على جميع القادة والرؤساء ورؤساء الحكومات والسياسيين من اقرب اصدقاء اميركا وحلفائها وانصاف حلفائها وعملائها بالذات، بمن فيهم طبعا جميع القيادات العربية والاسلامية، التي "بلعت الاهانة” وكأن شيئا لم يكن ولم تهز اصبعا بوجه السيد الاميركي المطاع.

"الحروب الصليبية” الجديدة

وخلال حالة الهستيريا التي اجتاحتها، بعد مجيء بوتين الى السلطة في روسيا وانجازاته المتتالية، قررت الادارة الاميركية ان تقوم بشن "حرب صليبية” مفتعلة ضد بعض الاعداء الوهميين لتستعرض عضلاتها وترهب شعوب العالم وتؤكد ان الكلمة الاولى في السياسة الدولية انما تعود لها. وكانت القيادة الاميركية بحاجة الى "مبرر قوي” لشن هذه "الحرب الصليبية” المفتعلة. فتولت السي آي ايه والأف بي آي والمخابرات العسكرية الاميركية وبالتعاون مع الموساد الاسرائيلي تنظيم مسرحية التفجير الدراماتيكي لبرجي التجارة العالمية في نيويورك ولمقر البنتاغون، لخلق شبح "عدو وهمي” لاميركا، والانطلاق لشن "الحرب الصليبية” باسم مكافحة هذا العدو الوهمي.

"الاسلام السياسي” العميل المطيع

وكانت القيادة الاميركية على درجة من الجبن والانحطاط انها اختارت ان يكون "العدو الوهمي” "الاسلام السياسي” العميل المرتبط عمليا منذ نشوئه بالمخابرات الغربية والاميركية والاسرائيلية. فطلبت من "اصدقائها” الشيخ اسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة” تزويدها بعدد من الشبان "الاسلاميين” المضللين، الذي تم بهم حشو الطائرات التي استخدمت في التفجيرات في 11 ايلول 2001، من اجل الادعاء بأن "الارهاب الاسلامي” يهاجم اميركا، ما يبرر مهاجمة البلدان التي تحتضن "الاسلام السياسي” وهي نفسها البلدان ذات الانظمة الحليفة تقليديا لاميركا. والاسباب الرئيسية التي دفعت القيادة الاميركية الى هذا الاختيار التعسفي هي:

اولا ـ ان القيادة الاميركية اختارت القيام باستعراض قوتها وعرض عضلاتها لارهاب العالم، بضرب اضعف "عدو” يحتمل ان يواجهها، وهو "الاسلام السياسي” الذي هو في الحساب الاخير ألعوبة في يدها.

ثانيا ـ ان القيادة الاميركية كانت تدرك تماما ان جميع شعوب العالم، بما فيها الغالبية الساحقة ضمن الشعوب العربية والاسلامية، تقف موقف عداء وكراهية واشمئزاز من "الاسلام السياسي” العميل لاميركا من جهة، والرجعي الذي يريد ارجاع الانسانية آلاف السنين الى الوراء، من جهة ثانية. وهذا ما سيجعل غالبية بلدان العالم، ولا سيما الاوروبية، تؤيد الحملة الصليبية الاميركية والزعامة الاميركية.

ثالثا ـ ولاجل تثبيت هذه الصورة، وفي الوقت الذي كانت فيه اميركا تستعد لشن حروبها الدون كيشوتية في الشرق الاسلامي، أوعزت الى دماها المتحركة في تنظيمات "الاسلام السياسي” العميل للقيام بعمليات ارهابية، موجهة بشكل حصري ضد المدنيين، في عدد من البلدان الاوروبية كبريطانيا وفرنسا واسبانيا، وكذلك في روسيا. وما يؤكد مشبوهية هذه العمليات والبصمة الاميركية الاساسية فيها، هو انه الان ـ بعد ان انشغلت الادارة الاميركية تماما، من رئيسها الى اصغر موظف فيها، بالمعركة الدائرة في سوريا، وصارت بحاجة الى تأليب الدعم الاوروبي لـ”الاسلام السياسي” ذاته ـ توقفت تلك العمليات في اوروبا بسحر ساحر.

الحرب ضد افغانستان والعراق

وقد شنت اميركا حربها الاستعراضية ضد الشعب الافغاني المظلوم، بحجة محاربة تنظيم طالبان، الذي سبق لاميركا ذاتها ان جاءت به الى افغانستان. وتم استخدام الاراضي الافغانية والمواطنين الافغان العاديين، كحقل تجارب وكفئران تجارب، للاسلحة الاميركية الفتاكة والجديدة.

وبعد سنتين، اخترعت اميركا كذبة اسلحة الدمار الشامل في العراق، ولم يستح كولن باول من ان يقف على طوله امام الجمعية العامة للامم المتحدة ليؤكد و”يشرح بالتفصيل” على اللوحة الالكترونية عن امكنة تواجد اسلحة الدمار الشامل عند صدام حسين، لتبرير حرب تدمير العراق، واستخدام اليورانيوم المنضب وغيره من الاسلحة الفتاكة لابادة ملايين العراقيين الابرياء بالاضافة الى مئات آلاف الجنود والضباط العراقيين المساكين الذين ذهبوا ضحية خيانة "الطابور الخامس الصدامي” الموالي لاميركا، وخيانة القيادة الروسية السابقة، الغورباتشوفية واليلتسينية، التي سبق ان سلمت الاميركيين كل شيفرات وأسرار الاسلحة الروسية التي كانت بحوزة الجيش العراقي.

إرعاب الحلفاء

لقد وضعت اميركا كل قوتها وهيبتها ونفوذها في الميزان، في ما سمته "مكافحة الارهاب الاسلامي” من اجل تأكيد سيادتها العالمية. ولكنها ـ لاجل تأكيد "مصداقيتها” الكاذبة ـ خسرت كثيرا في اوساط "الاسلام السياسي” التابع لها، واضطرت للتضحية باسامة بن لادن نفسه واستعدت عليها بعض مجموعات طالبان و”القاعدة” ذاتها التي هي تنظيم غير موحد. ولا شك ان الولايات المتحدة الاميركية، وبفضل هذه السياسة الرعناء التي التصقت باسم جورج بوش والمحافظين الجدد، خسرت الكثير من سمعتها وهيبتها ومواقع قوتها في العالم العربي والاسلامي، وهو ما سيكون له تأثيره الكبير على المدى القادم.

القسم الثاني والاخير

ولكن هذه السياسة الرعناء، التي وضع لها جورج بوش عنوان "من ليس معنا فهو ضدنا”، أرعبت الدول الاوروبية الغربية ودول الاتحاد الاوروبي والناتو المضعضعة والمفككة المفاصل، وجعلها تنضوي بذعر تحت ذنب الثور الاميركي الهائج، وتنصاع لاوامره حتى ضد مصالحها القومية الخاصة. واذا كانت الصين الشعبية اخذت تعيد "حساباتها الاميركية” التي سبق ان دشنها دين هسياو بينغ (غورباتشوف الصين)، واذا كانت الهند اخذت تبتعد عن النفوذ الاميركي بالرغم من "التلاحم” الاميركي ـ الباكستاني، واذا كانت دول اسيا الوسطى الاسلامية (السوفياتية السابقة) والبرازيل وافريقيا الجنوبية وغيرهما من دول اميركا اللاتينية وافريقيا اخذت ايضا تبتعد عن النفوذ الاميركي، اذا كان ذلك كله صحيحا، فإن من الصحيح ايضا ان الزعامة الاميركية للكتلة الغربية (كندا، اوستراليا، اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، اوروبا الغربية ومذنباتها الصغيرة من دول اوروبا الشرقية والوسطى التي انضوت تحت ذنب الاتحاد الاوروبي والناتو)، ـ ان هذه الزعامة قد ترسخت بأفضل مما كانت عليه في اي وقت مضى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تجلت تماما مطواعية الكتلة الغربية للزعامة الاميركية في الوقوف الى جانب السياسة الاميركية الرعناء، حتى ضد الشرعية الدولية التي تمثلها الامم المتحدة وضد المبادرات التي كانت تتقدم بها الدول الاوروبية بالذات، وهو ما ظهر بشكل مفضوح امام العالم اجمع في التخلي عن "اتفاقية دايتون” بشأن الازمة اليوغوسلافية وهي الاتفاقية التي تمت بوساطة اوروبية، ودعم قيام الناتو بخرق نظامه الذاتي ذاته (الذي ينص على " الدفاع المشترك” ضد الاعتداء على اي عضو في الحلف) وشن حرب جوية تدميرية ضد الشعب الصربي، ووضعه على حافة الفقر والجوع، فقط وفقط من اجل فصل كوسوفو عن صربيا، وتحويلها الى وكر كبير للمافيا الالبانية المتعاونة مع اميركا وبناء قاعدة "قلعة بوندستيل” اكبر قاعدة عسكرية وتجسسية وارهابية اميركية في اوروبا (يجري في هذه القاعدة تدريب خبراء الارهاب والمرتزقة الذين يتم تصديرهم الى الشرق الاوسط وروسيا وافريقيا وحيثما "تقتضي الضرورة” في البلدان الاوروبية ذاتها). ثم تجلت مطواعية الكتلة الغربية في دعم وتمويل الحرب الاميركية ضد افغانستان، ثم في العراق، وارسال القوات للمشاركة في ارساء "السلام الاميركي” (pax Americana) الذي نرى نتائجه الكارثية في هذين البلدين المظلومين. واخيرا تجلت هذه المطواعية في الحرب الناتوية ضد ليبيا، التي بدأت باعلان مناطق حظر الطيران، وتطورت الى قصف القواعد والقوات العسكرية والمرافىء والمطارات والمدن الليبية، وانتهت بتمزيق هذا البلد المظلوم شر ممزق، بحجة تخليصه من نظام القذافي ونشر "الديمقراطية”.

أبعاد المؤامرة على سوريا

وبعد تحقيق "انتصاراته” السابقة، وجه التيس الاميركي قرونه ضد الدولة السورية، بحجة اسقاط النظام الدكتاتوري السوري. ولكن الهدف الحقيقي كان اسقاط الدولة السورية ذاتها، وتسليمها لقمة سائغة الى عصابات "الاسلام السياسي” الآتية من العصر الحجري وعصر الكانيبال (أكلة لحوم البشر)، اولا من اجل اعادة ترميم الجسور بين اميركا وهذا "الاسلام السياسي” المتحجر. وثانيا، من اجل تحويل "امارة سوريا الاسلامية” المفترضة الى جسر يربط بين اليهودية الاسرائيلية والعثمانية التركية، المرتبطتين بالغرب الصليبي منذ عهد مملكة الخزر اليهودية في القرن الثامن. وثالثا، من اجل اسقاط لبنان والعراق واسقاط المنطقة بأسرها تحت براثن "امبراطورية عثمانية جديدة”، وتكوين محور استراتيجي ضخم " عثماني جديد ـ اسرائيلي” يمتد من صحراء النقب حتى البلقان واطراف القوقاز، ويقوم بتطويق وسحق القاعدة الثورية التي تمثلها "الجمهورية الاسلامية الايرانية”، ومن ثم التحضير لاشعال القوقاز ومحيط بحر قزوين وآسيا الوسطى بوجه روسيا، العدو التاريخي العنيد للكتلة الاستعمارية والامبريالية الغربية.

قرون "التيس” الاميركي تتحطم

ومثلما ان لكل شيء نهاية، كان لا بد ان تحل نهاية للعنجهية والعربدة الاميركيتين. الا ان هذه النهاية حلت بأسرع كثيرا مما كان يتصور جهابذة الطاغوت الاميركي، امثال كيسنجر وبريجينسكي وامثالهما.

فإن قرون "التيس” الاميركي سرعان ما تكسرت على الصخرة السورية، اولا بفضل الوعي الرفيع لجماهير الشعب السوري ذي التجربة الكفاحية العريقة، وفضح الطبيعة الحقيقية لعصابات الجيش العالمي لـ”الاسلام السياسي” العميل التي تكالبت على سوريا من كل حدب وصوب، وثانيا بفضل وعي ابعاد المؤامرة من قبل قوى المقاومة في المنطقة من لبنان الى ايران، وتوحيد صفوفها بوجه جبهة اميركا ـ اسرائيل ـ تركيا العثمانية الجديدة ـ "الاسلام السياسي” العميل. ولا بد هنا من التنويه بالدور التاريخي الحاسم الذي اضطلع به حزب الله في تحطيم المؤامرة على سوريا، بفضل حكمة وصلابة قيادة الحزب وعلى رأسها القائد الثوري العربي التاريخي السيد حسن نصرالله، وبفضل بطولات وتضحيات مجاهدي الحزب الاشاوس.

فشل امكانية التدخل العسكري الخارجي في سوريا

وقد استنجدت عصابات "الجيش العالمي للاسلام السياسي” العميل ومعها طبعا فلول ما يسمى "المعارضة السورية” العميلة، ـ استنجدت بأولياء امرها في اميركا وحلف الناتو والكتلة الغربية عامة، من اجل التدخل العسكري المباشر في سوريا، لتعديل ميزان القوى وحسم المعركة لمصلحة محور اميركا ـ اسرائيل ـ تركيا ـ الاسلام السياسي العميل. وحاولت اميركا وكتلتها الحصول على قرار من الامم المتحدة لتغطية التدخل العسكري ضد سوريا. ولكن الفيتو الروسي ـ الصيني، والموقف الروسي الصلب ضد التدخل العسكري الخارجي ضد سوريا، أفشل هذا المخطط، وفهمت اميركا وكتلتها ان العدوان على سوريا لن يكون نزهة كما جرى في ليبيا، وان اللعب بالنار في سوريا سينقلب على اصحابه ويحرق الناتو واميركا بالذات. وهكذا تركت عصابات الجيش العالمي للاسلام السياسي العميل تواجه لوحدها مصيرها المحتوم على ايدي جماهير الشعب السوري الابية والجيش الوطني السوري.

حماقة اميركية جديدة

وبعد انهيار المؤامرة الاميركية التي كانت مرسومة ضد سوريا وشعوب المنطقة وروسيا، ارتكبت القيادة الاميركية حماقة استراتيجية جديدة ستدفع ثمنها غاليا جدا، وستمثل بداية النهاية لهيبة ونفوذ اميركا ولوجودها كدولة كبرى على رقعة السياسة الدولية. وتمثلت هذه الحماقة في الرد على الهزيمة الاميركية في سوريا بالتحدي المباشر لروسيا وتنظيم الانقلاب الفاشستي في اوكرانيا في اواخر شباط 2014 وبدء الحملة العنصرية الفاشستية ضد الوجود الروسي التاريخي في اوكرانيا، وطرح الفاشست الاوكرانيين عملاء اميركا مسألة انضمام اوكرانيا الى حلف الناتو في البرلمان الاوكراني. وكانت القيادة الاميركية تعتقد ان هذه الخطوة العدائية ستحشر السلطة الروسية بزعامة بوتين في الزاوية، وتمهد لحملة اضطرابات موالية للغرب في داخل روسيا وتحويلها الى "ثورة ملونة” يتم فيها اسقاط حكم بوتين وتنصيب حكم روسي عميل للغرب والعودة الى تطبيق سياسة غزو روسيا واستعمارها ونهب خيراتها غير المحدودة.

القبضة الحديدية الروسية

ولكن حكومة بوتين، ومعها الجيش الروسي الهائل والشعب الروسي العظيم، لم تتوان عن الرد السريع على الاستفزاز الفاشستي الاميركي، فتمت استعادة شبه جزيرة القرم الى الوطن الام روسيا، وتحركت ملايين الجماهير الروسية في اوكرانيا للمطالبة بحقوقها القومية المشروعة كجزء لا يتجزأ من الامة الروسية العظيمة، واعلنت روسيا ان عودة الفاشستية وانضمام اوكرانيا الى حلف الناتو المعادي لروسيا هو خط احمر يتوقف عليه لا مصير اوكرانيا بل ومصير اميركا واوروبا والعالم بأسره. وكان الرد الروسي سريعا وصاعقا الى درجة ان القيادة الاميركية وقفت مشدوهة لا تدري ماذا تفعل. وحينما كان فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين، مع رهط من كبار المارشالات والجنرالات الروس الذين تعرفهم الميادين العالمية تماما، يحطون الرحال في سيباستوبول ويشرفون على استعراضات حربية ضخمة، بحرية وجوية، على كامل مساحة حوض البحر الاسود ومحيطه القريب والبعيد، في هذا الوقت كان بعض موظفي الادارة الاميركية الصغار يطلون من جحورهم برؤوسهم المذعورة ليدلوا بتصريحات خجولة بأن الولايات المتحدة الاميركية لا تعترف بضم شبه جزيرة القرم الى روسيا، وكأن احدا ينتظر هذا الاعتراف او يقيم له اي اعتبار.

أميركا تعاقب نفسها

وأخيرا تمخضت عبقرية جهابذة الدبلوماسية الاميركية عن سخافة فرض العقوبات على روسيا، التي هي ذات مفعول عكسي تماما. وقد صرح رئيس البيت الابيض باراك اوباما ان العقوبات لن تكون ذات فعالية الا اذا اجمعت عليها الدول الاوروبية بالاضافة الى اميركا. واصبح موضوع مشاركة الدول الاوروبية في العقوبات ضد روسيا بمثابة اختبار لاستمرار الزعامة الاميركية للكتلة الغربية. ونتيجة للغباء الاميركي وقعت الدول الغربية في دوامة الحيص بيص. فهي من جهة لا تريد إغضاب اميركا حتى لا تستفرد بجر العالم الغربي الى حماقات جديدة وخيمة العواقب، ومن جهة ثانية لا تجرؤ على إغضاب روسيا، وهي تدرك تماما ان العقوبات هي ذات مفعول عكسي، وهي تضر بالدول الغربية اكثر مما تضر بروسيا.

الدبلوماسية الاوروبية تتمرد على الزعامة الاميركية

ولم تستطع الدبلوماسية الاميركية جر الدول الاوروبية الى اتخاذ مواقف موحدة ضد روسيا. وفي تصريح امام وكالة اسوشيتد برس ادلى به السياسي البولوني المعروف الموالي للغرب ليش فالينسا عمم الصورة كما يلي: "ان العالم اصبح مشوشا، والقوة العظمى لم تعد تقوده”. وفي استطلاع للرأي العام الاميركي يقول 80% من المستطلعين انه "لا ينبغي ان ننغمس كثيرا في التفكير بالشؤون الدولية، وينبغي ان نركز تفكيرنا على شؤوننا الوطنية”. وهذا يدل على التعب من الحروب التي بدأها جورج بوش وورثها باراك اوباما. ان غالبية الاميركيين لم تعد تريد مغامرات جديدة في الخارج وتفضل انتهاج سياسة سلبية. وقد كتبت جريدة "نيويورك تايمز” انه في الاجتماع الاخير للدول السبع الكبرى G-7 (بعد استبعاد روسيا والغاء قمة الثماني الكبار G-8 التي كان من المقرر عقدها في سوتشي في روسيا، واستبدلت بقمة السبعة الكبار في بروكسل) فان الرئيس اوباما فشل في التوصل الى هدفه في اتخاذ موقف اميركي ـ اوروبي موحد حيال روسيا. وقد تسابق قادة بريطانيا، فرنسا والمانيا، لتحديد مواعيد للقاءات ثنائية مع الرئيس فلاديمير بوتين لدى زيارته لفرنسا لحضور الاحتفالات بذكرى انزال الحلفاء في النورماندي في الحرب العالمية الثانية. وهذا يدل على انهم غير موافقين على موقف اوباما الداعي الى ادارة الظهر لبوتين وعزل روسيا. وقد اكدت الحكومة الفرنسية انها ستواصل العمل في تنفيذ صفقة بيع السفن الحربية لموسكو، وبرنامج تدريب 400 بحار روسي عليها. واعلن الرئيس الفرنسي عن مواصلة العمل لتنفيذ صفقة تزويد روسيا بحاملتي طائرات الهليكوبتر الحربية من طراز "ميسترال”. واعلن انه هو وعدداً من القادة الاوروبيين الاخرين، وبالاخص المستشارة الالمانية ميركيل ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون، ينوون اللقاء بالرئيس بوتين الذي سيحضر الاحتفال بذكرى الانزال في النورماندي. وقال اوباما ان اميركا ستدافع عن الحرية في اوروبا وعن الحركات "الديمقراطية” في العالم اجمع. وفي هذا الوقت انتقد الرئيس الروسي بشدة الامبريالية الاميركية، واكد ان السياسة الاكثر عدوانية في العالم هي السياسة الاميركية، حسبما جاء في جريدة "لوفيغارو” الفرنسية.


اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: