ليراجع ترامب التاريخ قليلاً!
سعى الجمهوريون في اميركا خلال 30عاماً لتغيير التاريخ واعادة البلد الى مكانه كقوة عظمى، وواحدة من التعبيرات المحورية بهذا الصدد ايقاع تغيير اساسي في الشرق الاوسط وحسب مقولتهم ايجاد شرق اوسط جديد، فسعى مسؤولو البلد لاعادة اميركا لمكانتها السابقة منذ عام 1994، فكانت المحصلة وقوع عدة حروب بين سنوات 2002 – 2006، باحتلال افغانستان والعراق وخلالها وقعت حرب لبنان. وحسب مصادر اميركية تم اشراك ما يقرب من 300 ألف عنصر عسكري وامني اضافة الى مئات المقاتلات وعشرات الفرقاطات فيما قتل خلال هذه السنوات الاربع مليون مواطن افغاني وعراقي، وبالطبع قتل حسب ما اعلنته مصادر اميركية خمسة آلاف مجند في الجيش الاميركي. وبالتالي فشلت اميركا رغم التحالف الغربي المساند لها وهو ما اعلنته كذلك، اذ صرح ترامب مراراً بفشل الجيش الاميركي بالرغم من انفاق 7 تريليون دولار، وكشفت الوثيقة القومية الاخيرة عن فشل مطلق في هذه الحروب.
واللافت ان الاثنين "جورج بوش وترامب" من الحزب الجمهوري، فكان بوش اكثر عزيمة من ترامب لاعادة اميركا لمكانتها والدليل لجوئه لشن الحروب فيما كان شعار ترامب ان اميركا ليست مسؤولة عن أمن العالم وثانياً عدم اعتقاده بعمليات عسكرية ومواجهة طويلة الامد، اذن من الواضح ان اميركا ترامب تسعى لخوض عمليات رمزية قليلة التكلفة فتلقي التهم اولاً ومن ثم خوض عمليات امنية محدودة مثل اختطاف رئيس، للتعبير عن نجاح رمزي وبذلك تدعي اقتدار اميركا، الا ان الحاذق يعلم ان عمليات مثل الاختطاف اومهاجمة منشآت نووية تخضع لرقابة الوكالة الدولية لا تحتاج الى اقتدار وانما الوقاحة والمغامرة.
والى هذا المقدار بالنسبة لنا الامر واضح، ولاجل فهم أدق لابد من دراسة التاريخ وترامب هو من يحتاج لمطالعة التاريخ، فاميركا وايران دخلتا سجالاً والاشد بين الاعوام 2002 – 2006، فالمسؤولون الاميركيون والبريطانيون ذكروا صراحة بعد مهاجمة افغانستان والعراق بامكانية تكرار ذلك على ايران. وفي ذلك الوقت لم تكن الاوضاع الداخلية في ايران جيدة حيث الحكومة والمجلس والاحزاب والصحف، فالحكومة كان شعارها مماهاة اميركا فيما عناصر الحكومة في الداخل يدعون للفوضى، ونشر 123 برلمانياً في خضم التهديدات الواضحة لمتنفذي حكومة بوش وبلير، رسالة استسلام ولاجل دفع الحكومة لذلك لجأوا للاعتصام، فيما كانت الصحف ساحة فوضى حتى ان وزير الارشاد حينها قال بخصوص احدى الصحف: انها حقاً صوت "اسرائيل" في ايران. وكذلك استمرار الفوضى وتجمع المتشددين في الساحات والجامعات، فكان السخط العام من الحكومة بشكل بحيث ان يعطي الشعب صوته خلال الانتخابات، رغم وجود مرشح معروف مثل المرحوم آية الله هاشمي رفسنجاني، الى شخص اقل شهرة والذي حصل في الولاية الثانية على رقم قياسي لانتخابات رئاسة الجمهورية بما يقرب من 25 مليون صوت.
حسناً فالوضع في تلك المرحلة بان يسيطر العدو على جهتي الحدود الايرانية ويعيش نشوة اسقاط حكومتين مسلمتين، فصار يتحدث عن التحضير لهجوم على ايران لتغيير الحكومة، ومن جهة كان الوضع في الداخل الايراني كما اوردنا، ولكن كل شيء سار على عكس التحليلات، فمع نهاية ثلاثة حروب تصدع التحالف الغربي، فاخرج البريطانيون بعد عامين قواتهم من افغانستان والعراق، واضطرت اميركا لاخرج قواتها سريعاً من العراق، ووصلت لطريق مسدود في افغانستان الا انه اذا اخرجت قواتها ستكون عودة حكومة طالبان مؤكدة والتي تم اسقاطها بالقوة، هذا الامر جعل اميركا تبقي قواتها في افغانستان على استحياء، حتى دخلت في تفاوض مع حركة طالبان وبالتالي غادرت ارض هذا البلد بعد عشرين عاماً من الحضور المكلف وعديم الثمرة! وعلى الجهة الاخرى تمكنت ايران بالرغم من خلق الخوف حولها ورغم ضغوط المتأثرين بالغرب داخلياً من المضي قدماً باعمال سياسة حكيمة بتنسيق مع الاخوة العراقيين والافغانيين لافشال سياسة اميركا التطاولية في هذين البلدين، وتمكنت كذلك ايران من ترتيب بيتها اكثر انسجاماً.
ولنقارن وضع ايران الان مع وضعها في تلك الفترة ومن ثم القاء نظرة على الوضع في اميركا في ذلك الوقت وحالياً. فلم تكن القدرة العسكرية لايران كند خطر حسب الاعداء، واما اليوم فان الكونغرس الاميركي يقول خلال تقرير عن حرب الـ12 يوماً: ان ايران اطلقت 574 صاروخاً، تم ملاحقة 273 صاروخاً منها من قبل المنظومة الدفاعية الاميركية الاسرائيلية وكانت الحصة الاميركية 230 صاروخاً، ويضيف التقرير انه منذ اليوم الثامن تراجع معدل رصد الصواريخ الايرانية في الوقت الذي تزايد معدل اصابة الصواريخ الايرانية لاهدافها. ويقول التقرير ان حصة رصد الصواريخ الايرانية من قبل المنظومة الاسرائيلية المكلفة خلال الحرب 44 صاروخاً. ولم يكن لايران في تسعينيات القرن الماضي حتى نسبة مئوية من هذه القدرة.
اما على المستوى الداخلي الايراني اذا ما قارنا مع تلك الفترة فان حالة الانسجام افضل بكثير حالياً. فلا يصدر من وزارة الداخلية الان أمر الفوضوية ولا يتم دعم الفوضويين من قبل مكتب رئيس الجمهورية، ولا تصدر رسالة استسلام من وزارة الخارجية الى السفارة السويسرية.
وعلى الجهة الاخرى فان اميركا قد تحولت الى المشكلة الاولى في العالم، وفي الداخل الاميركي تقيّم سياسة الحكومة المتشددة بتداعيات سلبية على المصالح الاميركية. كما ان اميركا مكروهة اكثر من ذلك الوقت وهي اكثر تشويشاً، وبالطبع ينبغي الان التخطيط قبال الاجراءات الجنونية لترامب، فضربة سريعة توقفها عند حدها، وهذه القدرة متوفرة كما يمكن الحاق الضرر بذيول اميركا في العالم فيما الجميع يؤيد هكذا رد.