تركيا : نهاية الحلم ، الكل يستفيق
أحمد الحباسى
لكل بداية نهاية ، و لكل حلم مهما طال نهاية ، لكن الجميع في تركيا يستفيقون اليوم على حلم مزعج و على نهاية ستشكل كابوسا اقتصاديا و اجتماعيا لبعض السنوات القادمة ، و يظهر أن توجه الرئيس التركي لبناء " قصره الجديد " لم يكن فألا طيبا بحيث ستبقى الصراصير مصدر إزعاج لمدة طويلة قادمة ، و جنون العظمة الذي دفع العثماني الجديد للحلم ببناء قصر يفوق مساحة قصر فرساي الفرنسي الشهير ، هو نفس الجنون العنيف الحاقد الذي دفعه لمشاركة أصدقاء السوء الصهاينة لضرب الشعب السوري و الطمع في الصلاة في المسجد الأموي ، و نفس الطموح الزائد بأنه سيكون خليفة المسلمين القادم على جناح حزب العدالة و ظهر الانتهازية السياسية المنافقة، و كما استنكر الشعب التركي الكلفة الجنونية الهائلة لبناء هذا القصر التي قاربت 600 مليون دولار في حين يتحدث البعض أنها تصل إلى حدود الخمسة مليارات دولار باعتبار الصعوبات الاقتصادية الكثيرة التي تعيشها تركيا فقد استنكرت الطبقة السياسية بكاملها الكلفة الاقتصادية لهذه الحرب المجنونة على سوريا.
بالتأكيد فشلت تجربة الإخوان في تركيا و فشل مشروع الإسلام السياسي بأكمله في المنطقة ، هذا واضح للعيان خاصة بعد سقوط محمد مرسي في مصر و راشد الغنوشى في تونس ، و اليوم هناك حديث أنه لم يعد من مخرج أمام رجب أوردغان إما تشكيل حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية أو تنظيم انتخابات مبكرة ، و هذا الخيار الأخير بالذات غير مضمون النتائج و العواقب خاصة في ظل حديث عن تزوير في الانتخابات السابقة ، من الواضح أيضا أن ما يسمى بالأغلبية الصامتة قد خرجت عن صمتها بحيث أصبحت قادرة على إسقاط حزب العدالة نهائيا في أي انتخابات قادمة ، و لان الفشل الداخلي يؤثر في السياسة الخارجية التركية فقد كان ملحوظا للمتابعين تخلي الحكومة التركية بما فيها الرئيس التركي عن "متابعة” الوضع السوري بما يدعو إلى الاعتقاد بأن بشار الأسد قد صمد بشكل حطم المشروع العثماني في المنطقة و أن المستقبل سيحمل لتركيا مفاجئات متنوعة كثيرة.
ماذا يعني كلام أحمد داوود أوغلو حول أن حزب العدالة سيعيد تقييم الأمور ؟ ما هي " الأمور” التي يجب تقييمها ؟ و ماذا عن نظرية صفر مشاكل التي شكلت العمود الفقري لمشروع حكم الإخوان في تركيا و في المنطقة بصورة عامة ؟ و هل سيدفع أحمد اوغلو فاتورة الهزيمة الأخيرة و يتم التضحية به لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، خاصة بعد أن فشلت تهديدات أوردغان في إسكات الشارع الغاضب و الرافض للسياسة التركية تجاه سوريا و تجاه المنطقة العربية ، و هل يمكن الحديث اليوم عن تضحية غربية برئيس تركيا و بمشروع الإخوان بعد فشله في تزعم المنطقة و فشل الحكومة التركية في تسويق سياستها الاقتصادية إبان الحرب على سوريا ، و هل أن فشل اوردغان الأخير و سقوطه حزبيا و انتخابيا هو شغل مخابرات صهيونية كجزاء على تحجيم دور العسكر في تركيا ؟ و هل أن الدول الغربية و بالذات أمريكا قد غيروا من خطة السير بحيث لن تمر المحادثات و الترتيبات القادمة بالمحطة التركية.
يقول صلاح الدين ديمرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي ، أن الانتخابات الأخيرة ستشكل نتائجها نهاية الديكتاتور و الديكتاتورية التركية ، هذا ليس رميا بالغيب بل هي الحقيقة التي يرفض البعض تصديقها في تركيا و في بعض الدول الخليجية المأجورة ، فحزب العدالة قد حكم بالحديد و النار و قمع كل الأفواه المعارضة و ملأ كل السجون بالتوازي مع إسكات الأصوات الإعلامية و سجنها ، و قام بتقزيم المؤسسة العسكرية التي شكلت لعقود من الزمن الفخر التركي بامتياز ، و لنتذكر أن رجب أوردغان قد خلف كل وعوده الانتخابية بما فيها حل المشكلة الكردية فضلا عن رفضه الوقح الاعتراف بالمجزرة و المذبحة الأرمينية التي شكلت لوحدها سببا من أسباب عدم قبول تركيا بالنادي المسيحي منذ سنوات طويلة ، و إذا أعدنا عجلة التاريخ شيئا قليلا إلى الوراء و بالذات إلى الفترة الأولى التي صعد فيها حزب العدالة لحكم تركيا نلاحظ بمنتهى الوضوح أن صوت تركيا لم يعد مسموعا و مطلوبا في العالم و أن زيارات رئيس الدولة و رئيس حكومتها قد انحسرت و لم يعد هناك من ساع لمقابلة أزلام الإخوان الأتراك.
لقد كشف سقوط الإخوان في مصر بتلك الطريقة الفاجعة ظهر حزب العدالة التركي الذي تعرت كل نظرياته الجوفاء ، و هناك من لا يخجل اليوم بالحديث بكون سقوط الإخوان في مصر قد كان لحظة بداية انهيار الأنموذج التركي خاصة و قد كشفت العمليات الإرهابية الاخوانية داخل مصر المحروسة عن "حقيقة” الأنموذج التركي و عن المصير المظلم المنتظر في ظل حكم الإخوان و حكم الإسلام السياسي ، بل هناك معطى لا يقل أهمية عن المعطى الاخوانى هو استعادة الشعب التركي الوعي السياسي المطلوب بعد تيه وجداني في انتخابات 2002 التي حملت حزب العدالة إلى سدة الحكم باعتباره المنقذ من فساد النخبة السياسية التركية بأكملها في تلك الفترة ، لكن من المهم القول أنه و لئن تحسنت الأحوال الاقتصادية في بداية الأمر لأسباب عديدة يطول شرحها فان إجمال الدين الخارجي قد زاد نهاية العام الماضي 2014 ليصل إلى 402،4 مليار دولار مقابل 396،8 سنة 2013 ، المضحك أن رجب أوردغان يفسر النجاح الأول بالحوكمة الرشيدة للإسلام السياسي في حين يرجع تصاعد المديونية التركية إلى عوامل اقتصادية عالمية ، و هنا يعود الرجل إلى مخزون النفاق و الكذب السياسي الذي طالما وزع كثيرا منه على الشعوب العربية طيلة سنوات دون حمرة خجل.