لبنان الرسمي يتواطأ
ليندا غدار
في الوقت الذي لا تزال فيه دماء الأطفال تُسفك في الجنوب والبقاع، وفيما الطائرات الإسرائيلية تحوم فوق قرى العرقوب وبنت جبيل وصور وتغتال أبناء هذه الأرض بصواريخها اليومية، كان مجلس الوزراء اللبناني ينعقد تحت رعاية أميركية واضحة، لإقرار ما لم تجرؤ عليه عواصم عديدة: “نزع سلاح المقاومة”.
القرار لم يأتِ بناءً على تفاهم وطني، ولا حتى على قاعدة التوازنات السياسية الداخلية التي عرفها لبنان لعقود. بل جاء تحت الضغط المباشر من الخارج، تحت تهديد بوقف المساعدات المالية، وتحت إغراءات صندوق النقد، وبتنسيق ثلاثي مكشوف: واشنطن، تل أبيب، الرياض.
*سقطت الميثاقية… وسقط القرار
الوزراء الشيعة انسحبوا من الجلسة، في ما يمثل رسالة سياسية واضحة أنّ ما يُناقش داخل الحكومة لا يُعبّر عن توافق لبناني، بل عن توجه سلطويّ منفرد، ومراهنة على استغلال اللحظة الدولية لتصفية ما تبقى من عناصر قوّة لبنان.
رغم هذا الانسحاب، أصرّ رئيس الحكومة نواف سلام على المضيّ قدماً في تمرير القرار، مراهِناً على وعد المساعدات الآتية من الخليج، والتي لن تكون إلا ثمناً سياسياً مدفوعاً بالكامل من دم الجنوب.
*توقيت الخيانة: بينما يُقصف الجنوب
في لحظة وطنية حرجة، تزامن فيها اجتماع الحكومة مع سقوط شهداء على أرض الجنوب، من بينهم الطفل عباس مرعي عوالي (11 عاماً)، لم تُطرح أيّ إدانة رسمية لجرائم الاحتلال، ولا أيّ خطة للحماية، ولا حتى ورقة تفاوضية تُلزم العدو الإسرائيلي بأيّ انسحاب أو وقف للعدوان.
أيّ حكومة هذه التي تناقش نزع سلاح المقاومة بينما تقف صامتة أمام استهداف المدنيين في تولين؟
أيّ مجلس وزراء هذا الذي يُسقط شراكة وطنية عمرها سنوات، ليلتحق بركب مشروع أمني ـ سياسي تديره السفارات؟
*ورقة باراك تُطبَّق بأيدٍ لبنانية
ما يحدث اليوم هو التطبيق الحرفي لما ورد في “ورقة إيهود باراك” القديمة ـ الجديدة: تجريد الجنوب من سلاحه، فصل المكوّن الشيعي عن عمقه المقاوم، وتحويل لبنان إلى حارس للحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. وللأسف، من بين الوزراء من كان مندفعاً بحماس لإثبات “ولائه” للمشروع، وكأنه يتفاخر بأنه الأسبق إلى التفريط، وبعضهم الآخر جرّه منطق “التسوية” والصفقات كمن تجرّه “عربات جدعون”.
هؤلاء لم يقرأوا التاريخ، ولم يسمعوا أنّ ما يُؤخذ بالقوة لا يُستردّ بالتمنّي، وأنّ من يفرّط بسلاحه بلا مقابل، يُسلّم نفسه وأرضه وشعبه للعدو.
*بين الجيش والمقاومة: فخ المواجهة الداخلية
القرار الخطير لا يقف عند حدّ نزع السلاح، بل يتعمّد أيضاً وضع الجيش اللبناني ـ بكلّ ما يمثله من رمزية وطنية ـ في مواجهة مباشرة مع مكوّن لبناني أساسي.
وكأنّ المطلوب إشعال فتنة داخلية جديدة، أو على الأقلّ خلق حالة من الانقسام والفوضى تؤدي إلى فراغ أمني شامل في الجنوب، تبرّر لاحقاً أيّ تدخل خارجي.
لكن السؤال يبقى: هل الجيش مهيّأ لتولّي هذه المهمة؟ وهل يجوز أخلاقياً ووطنياً وضعه في مواجهة مع بيئته وشعبه؟
من المستفيد من هذه الفتنة إنْ لم يكن العدو الإسرائيلي وحده؟ البديل كان ممكناً: ورقة لبنانية لا أميركية، في خضمّ هذا المشهد الكارثي، خرج صوت سياسي نادر دعا إلى أقلّ الإيمان: أن تصدر الورقة من لبنان، لا من الخارج، لا من واشنطن، لا من دمشق، لا من طهران، لا من الرياض.
*ورقة لبنانية، لا أممية ولا إقليمية
لكن حتى هذا الحدّ الأدنى من الكرامة السياسية لم يعد متاحاً.
اليوم، يُصادر القرار اللبناني باسم “الإصلاح”، وتُمرّر القرارات المصيرية باسم “الإنقاذ”، وتُدار البلاد بمنطق التسويات الخارجية لا بتفاهمات وطنية.
*السلاح ليس تفصيلاً… والجنوب ليس للبيع
السلاح في لبنان لم يكن يوماً خياراً ترفيهياً. كان ضرورة، وظلّ ضمانة بوجه العدو، وهو الوحيد الذي أجبر “إسرائيل” على الانسحاب في العام 2000، والوحيد الذي منع اجتياحاً برياً شاملاً في 2006، والوحيد الذي يردّ يومياً على الاعتداءات المستمرة في 2024 و2025. والتخلّي عنه بهذه الطريقة ليس قراراً سيادياً، بل خيانة موصوفة.
نعم، لبنان بحاجة إلى حلول. لكن لا على حساب السيادة.
نعم، اللبنانيون يستعجلون الخلاص. لكن لا على طريقة باراك.
نعم، الجنوب تعب. لكنه لم يُخلق ليستسلم.
إذا كان ثمن المساعدات هو تسليم الجنوب عارياً، فلا نريد مساعداتكم.
وإذا كان الثمن هو رأس المقاومة، فلن يكون لنا وطن نفاوض باسمه.