كيف يؤدي حصر السلاح إلى السيادة؟
ناصر قنديل
لا جدال حول درجة حرص رئيس الجمهورية على السيادة الوطنية، والسلم الأهلي، وقد تحمل ضغوطاً شديدة طيلة تسعة شهور أعقبت وقف إطلاق النار، منها شهران قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، وسبعة بعد الانتخاب، وهو يتمسك بثلاثة ثوابت، الأول إن لبنان نفّذ ما عليه وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، بحيث انسحبت المقاومة من منطقة جنوب نهر الليطاني، وانتشر الجيش فيها، وكل تقدم لاحق في التطبيق ينتظر وفاء الراعيين الأميركي والفرنسي بتعهداتهما لضمان الالتزام الإسرائيلي بموجبات الاتفاق لجهة الانسحاب ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى، والثاني أن استحقاق البحث بسلاح المقاومة يأتي بعد إيفاء الإسرائيلي بموجباته المحددة في الاتفاق والقرار 1701، والثالث أن اللبنانيين لن يخاطروا بسلمهم الأهلي طلباً لترجمة حصر السلاح بيد الدولة ولذلك فإن لا حل لمسألة السلاح إلا بالحوار ثم الحوار ثم الحوار.
الواضح أن خطاب رئيس الجمهورية في عيد الجيش لم يتخلّ عن هذه الثوابت، لكنه خاطب المقاومة وبيئتها بلغة الدعوة للنظر في الاستعصاء القائم وعدم الاستجابة الأميركية لطلبات الدولة اللبنانية، وتمسكها وحمايتها لتمسك الاحتلال بربط أي تقدّم في مسار وقف إطلاق النار بأن تقدم المقاومة على خطوة ثانية بعد الانسحاب من جنوب الليطاني تتمثل بتسليم أسلحتها الصاروخيّة الاستراتيجيّة التي تقلق “إسرائيل” ليتسنى الانتقال إلى خطوة إسرائيلية أولى، وهنا يتمّ سرد الضغوط والتهديدات التي يسمعها المسؤولون اللبنانيون ولم يتعرض لها الخطاب، لكنها موجودة بين سطوره، سواء التهديد بالحرب الإسرائيلية او التهديد بالضغط المالي والاقتصادي غربياً وعربياً، بما لا قدرة للبنان على تحمله.
خطاب الرئيس لم يستبدل تسلسل الأولويات، الذي يضع الخطوة الأولى على عاتق الاحتلال، وقد حافظ عليه في تسلسل الفقرات لكنه لم يقدّمه كما في السابق كتسلسل زمني حاكم، تاركاً الباب مفتوحا لمناقشات سوف تجري في الحكومة معلوم سلفاً أن إزالة حاجز الرئاسة من أمامها، يعني فتح الباب لتطيح الحكومة بهذا التسلسل الزمني، وتتبنى تسلسلاً معاكساً، يضع الخطوة الأولى المطلوبة على عاتق المقاومة، متجاهلاً ما جرى تنفيذه من الاتفاق من جانب المقاومة، دون أن يقوم الأميركي بما يجب لفرض تنفيذ مواز ومتفق عليه يفترض بالإسرائيلي القيام به.
السؤال الذي يواجه هذا التحول السياسي الذي تتجه نحوه الحكومة، ليس حول جدية الضغوط وحجمها، ولا حول قراءة الحكومة لاستحالة الرهان على المواجهة، والحكومة بغالبية أعضائها ورئيسها تتبنّى منهجاً يقول بأن قوة لبنان الضغط الدبلوماسي الذي اختصره وزير الخارجية بالقول ليس لدينا من سلاح إلا الرهان على أن أميركا تحبّنا فنذهب ونبكي لها، السؤال هو هل لدى الحكومة منطق يقنع طفلاً صغيراً بأن تسليم السلاح او ترجمة حصر السلاح يؤدي إلى حماية السيادة؟
مع ما جرى في سورية، حيث النظام الجديد يحظى بدعم أميركي عربي تركي لا يملك لبنان مثله ولا يحلم بامتلاك مثله، ترجمتها مواقف أميركية وتركية معلنة حول تبني هذا النظام، والنظام ترعرع في الحضن التركي الأمني والاستخباري، والأميركي لا يخفي رهاناته على هذا النظام وتترجم أفعاله ذلك، واندفاع مالي وسياسي سعودي ترجم بحجم الاستثمارات وفتح الطريق لرجال الأعمال السعوديين نحو سورية، وبالطلب إلى الرئيس الأميركي رفع العقوبات عن سورية، وحيث هذا النظام سبق وقدّم ولا يزال يقدّم لـ”إسرائيل” التزامات لا يملك لبنان مجاراتها، سواء بما فعله بقوى المقاومة وإيران وإعلان العداء لهما او حرصه على الأمن الإسرائيلي او استعداده لتجاهل احتلال الجولان لمرحلة غير قصيرة، وكان حصيلة ما ناله من الإسرائيلي دون أن ينجح اي من الرعاة والحماة من العرب والغرب والأتراك في حمايته، أن تمدّد الإسرائيلي في محافظاته الجنوبية وعبث بنسيجه الطائفي وقصف مقاره السيادية في العاصمة دمشق من وزارة الدفاع إلى المقر الرئاسي.
من المفهوم أن يقول المسؤولون إننا لا نستطيع تحمل الضغوط وأن ليس لدينا حل مشرف نعرضه على اللبنانيين، وإننا نعلم أن تسليم السلاح لن يحفظ السيادة، بل ربما يقوم الإسرائيلي بطرد الجيش اللبناني واليونيفيل من جنوب الليطاني، كما فعل بحق الجيش السوري جنوب سورية، وأن تسليم السلاح يضمن تخفيف الخسائر، لكنه لا يضمن تحقيق السيادة ، ومثل هذه المصارحة تتيح للبنانيين مناقشة الخيارات على قاعدة أن الدولة عندما لا تستطيع حماية السيادة ولا تستطيع أن تعرض على شعبها حلاً مشرفاً تصارحه وتتقبل أن يتخذ الشعب خياراته ولو كانت انتحارية!
الأشد خطورة هو أن تصيب بعض الرؤوس الحامية أوهام اختيار الانتحار بطريقة الروليت الروسية عبر أخذ اللبنانيين إلى حرب أهليّة بدلاً من أن تترك من يقبلون أن يقتلوا بيد الاحتلال ليختبر الذين يبقون على قيد الحياة نهاية الفيلم الأميركي الطويل، وطعم لبنان الجديد بنكهة اللحم بعجين.