أميركا ووعد إبليس بالجنة…
شوقي عواضة
مع تصاعد الضّغوط الدّوليّة على لبنان لنزع سلاح المقاومة لا سيّما الضّغوط الأميركيّة التي تمارسها واشنطن التي تلعب دور (الوسيط) بموجب تفاهم وقف إطلاق النّار في حين أبدت عمليّاً أنّها ليست وسيطاً بل هي طرف يتبنّى وجهة نظر العدوّ “الإسرائيلي” بالكامل، ويتجلّى ذلك الدّور بشكلٍ جلي من خلال محاولة إدارة ترامب فرض شروط العدوّ على لبنان والتنصّل من مسؤوليّاتها كطرفٍ راعٍ لاتفاق وقف إطلاق النّار بين لبنان والعدوّ الصّهيوني. فمنذ توقيع الإتفاق في (27 كانون الثاني/ يناير2024) الذي تأكّدت فيه شراكة الأميركي للعدوّ الصّهيوني في العدوان على لبنان أكثر من ذي قبل من خلال صمته وعدم اعتراضه على جرائمَ واعتداءاتِ العدوّ الاسرائيلي اليوميّة على لبنان التي بلغت وفقاً لما أعلنت عنه صحيفة “هآرتس” العبريّة نقلاً عن قياداتٍ في سلاح جوّ العدوّ الإسرائيلي أنّه شنّ نحو 500 غارة وقتل أكثر من 230 عنصراً في (حزب الله) في لبنان منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النّار حيّز التّنفيذ دون أيّ اعتراض من الجانب الأميركي أو الفرنسي الرّاعي للاتفاق من أجل ممارسة المزيد من الضّغط على لبنان لتسليم سلاح المقاومة الذي بات المهمّة الأولى والوحيدة لرعاة الاتفاق لا سيّما أميركا التي تغدق بتقديم الوعود للبنان باستثمارات الإعمار مقابل نزع السّلاح.
فواشنطن التي تفاوض لبنان على حقوق مكتسبة له لم تفِ بوعودها حتّى مع حلفائها وهي التي عوّدت العرب أن تأخذ منهم دون أن تعطي أو تقدّم سوى مشاريع وهميّة، وتاريخ السّياسة الأميركيّة القائم على البلطجة حافل بذلك، وقد بدأ من مصر التي وقعت اتفاقيّات كامب ديفيد عام 1978 مروراً باتفاقيّة وادي عربه بين الأردن وكيان العدوّ عام 1994، إضافة إلى إتفاقية أوسلو، وصولاً إلى السّودان باتفاق التّطبيع مقابل رفع العقوبات عنه وإزالته من قائمة “الدّول الراعيّة للإرهاب” ووعده بتقديم حزمة مساعدات مالية تصل إلى 1.2 مليار دولار استثمارات أميركيّة مباشرة في البنى التّحتية ودعمه اقتصادياً وسياسياً في مرحلة ما بعد الثّورة…
تمّ التطبيع وتنصّلت الإدارة الأميركيّة من وعودها بحجّة عدم الاستقرار السّياسي، ولم يحصل السودان على شيء من وعود الإبليس الأميركي بالجنّة، كما هناك شاهد آخر من شواهد الخداع الأميركي هو المغرب من خلال الاعتراف الرّسمي الأميركي بسيادة المغرب على الصّحراء الغربيّة الذي دفع ثمناً مقابل دعمٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ أميركيٍّ واسعٍ ووعود باستثمارات أميركية كبيرة لم يتحقّق منها شيء بسبب تغيير الإدارة الأميركيّة، حيث صاغت الإدارة الجديدة موقفاً جديداً من الصّحراء الغربيّة. أمّا في البحرين الذي كان أوّل المبادرين للانخراط في الاتفاقيّات الابراهيمية مقابل وعود أميركية بالدّعم الاقتصادي وتحويل البحرين إلى مركز تكنولوجيّ إقليمي وتقديم كافّة التّسهيلات التّجاريّة له لم يحصل على أيّ وعد من الوعود الأميركيّة ولا استثمارات كبيرة أو صغيرة مقابل تحقيق أميركا مكاسب استراتيجيّة لها وللكيان الصّهيوني ودون تقديم أيّ شيء للبحرين.
أمّا الحليف الأكبر للكيان الصّهيوني وهو الإمارات الذي طبّع علاقاته مع العدوّ مقابل وعود وتعاون دفاعي وأمني غير مسبوق وعلاقات تجاريّة كبيرة F35 بيعه طائرات في مجالي الدّفاع والتّكنولوجيا والأمن ما أنجز فعليّاً من الاتفاق هو التّطبيع الإماراتي مع العدوّ في حين جمّدت إدارة بايدن الصّفقة التي لم تنفّذ حتى اليوم.
أمّا السّعودية التي كانت أوّل المبادرين لصفقة القرن مقابل وعود أميركيّة سواء كانت سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة فتبخّرت مع تغيّر لإدارة وخرج السّعوديون بلا مكاسب حقيقيّة، بينما حقّقت أميركا للعدوّ كلّ المكاسب من خلال اتفاقيات التّطبيع.
بعد كلّ تلك الشّواهد يأتينا الأميركي بإغراءاته الاقتصاديّة والماليّة وبوعوده المكذوبة وبصكوك غفرانه لرفع العقوبات عن لبنان مقابل نزع سلاح المقاومة في ظلّ استمرار العدوان الاسرائيليّ على لبنان بغطاء أميركي ودولي. فأميركا تضع لبنان بين خيارين أحلاهما مرّ نزع السلاح أو الحرب التي يطبّل لها بعض أطراف الدّاخل الذين ما زالوا يحلمون بمشاريعهم التّقسيميّة وتحويل لبنان إلى كانتونات ودويلات، لكن في أسوأ الأحوال ما يقوم به العدوّ من اعتداءاتٍ هو عدوانٌ على لبنان وانتهاكٌ لسيادته في مقابل اعتراف أميركي بعجزه عن إلزام العدوّ باتفاق وقف إطلاق النار.
وأمام ذلك لربما نشهد المزيد من التّصعيد العدواني للعدوّ على لبنان لممارسة المزيد من الضّغوط للتّخلي عن سلاح المقاومة التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام العدوان الإسرائيلي الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركيّة، وبالتالي ما بخلت فيه أميركا عن تقديمه لحلفائها المطبّعين لن تجود به على لبنان ولو قدّموا لها لبنان بأكمله. فمهمة واشنطن هي حماية هذا الكيان وليس إعادة الدّولة اللبنانيّة القويّة، ولا يوجد مصلحة لا لأميركا ولا للكيان بوجود دولةٍ قويةٍ على حدود الكيان الغاصب، بل إنّ أولويات أميركا هي الحفاظ على تفوّق العدوّ الإسرائيلي في المنطقة وإزالة كلّ التّهديدات ومنها سلاح المقاومة الذي أثبت أنّ قوّة لبنان بمقاومته وجيشه وشعبه ومن عجز عن ضمان وقف اعتداءات العدوّ اليومية هو أعجز من أن يفي بوعوده للبنان والاتفاقيات التي لم تحرّر أرضاً ولا أسرى هي لا تساوي قيمة الخبر الذي كُتبت به وما ينفع اللبنانيّين فقط وحدة موقفهم جيشاً وشعباً ومقاومة لمواجهة المرحلة المقبلة.