خمسة آلاف اكبر من 19 الف!
حسين شريعتمداري
1 ــ كان من المتوقع ــ ومازال قائما ــ ان يقدم المسؤولون المحترمون اجوبة واضحة ودامغة حيال الانتقادات المدعومة التي وجهها من يعتبر اتفاق لوزان لا ينسجم والمصالح القومية لبلدنا، الا انه الى الان ليس لم يتم ارضاء هذا التوقع وحسب بل ان اعضاء الفريق النووي المحترمين قد اكتفوا برد عام، وفي بعض الحالات هاجم المحسوبين على الحكومة ــ وليس اعضاء الفريق المفاوض ــ، من خلال لقاءاتهم ومدوناتهم وتصريحاتهم المتتالية، المنتقدين بسيل من التهم والافتراءات معتبرينهم صنوان واعداء النظام! دون ان يقدموا أي دليل يحدد أي من هذه الانتقادات الموجهة لاتفاقية لوزان في غير محلها وليست بواقعية، وقبال ذلك ما الاجابة المنطقية والمفحمة التي يمتلكونها؟!
على سبيل المثال، تناولت صحيفة كيهان في مسلسل تقارير مشفوعة بوثائق شفافة، نقد اتفاقية لوزان لاسيما في المقال السابق والمعنون (ما اكتسبناه ام ما فقدناه) معتمدا على النص الاصلي لاتفاقية لوزان، حاصيا العديد من الامثلة لموارد لا تنسجم والمصالح القومية، الا ان الرد على كيهان وسائر المنتقدين كان ما اشرنا له، بينما تعين على المهتمين بالبرنامج النووي او من يمثل الحكومة المحترمة ان يجيبوا على المحاور التي شملتها الانتقاد، بصدر رحب مشفوعة بادلة قاطعة.
فهل يعتبر هذا التوقع غير منطقي وبعيد عن التحقق؟ بالطبع، كلا!.. اذا ان كل المنتقدين ــ او الاكثرية الغالبة ــ ومنهم صحيفة كيهان، يعتبرون الفريق النووي المفاوض ابناء الاسلام والثورة ومن المدافعين عن المصالح الوطنية وهم محل ثقتنا، ودون أي شك لهم الحق في ذلك، كما تفضل سماحة القائد، انه ليس بالجريرة الشعور بالقلق حيال مكائد الخصم وان نحتمل خداعهم لابناء الثورة.
2 ــ ولا جرم ان نمر مرور الكرام على نماذج من الرؤى غير الخبيرة والمصاحبة لتقليل شأن بعض المقربين او ادعياء قربهم من الحكومة المحترمة؛ فقد تمت دعوة السيد صادق خرازي كخبير لشؤون الدولية والنووية لبرنامج (حوار خاص) على القناة التلفزيونية الثانية، وذلك قبل وبعد ليلتين من نشر نص الاتفاقية، فكانت بعض اجابته لاسئلة مقدم البرنامج بخصوص اتفاقية لوزان، تحت مبضع تحليلنا الآتي؛
فقد ادعى السيد صادق خرازي ان "اليوم يوم مصيبة لاسرائيل والمعارضين في الداخل للاتفاقية"! ولم يبين ما الخصوصيات التي تتمتع بها اتفاقية لوزان كي تحل المصيبة بالكيان الصهيوني؟! فهل ان ايقاف التخصيب الصناعي، وتقليل اجهزة الطرد المركزي من 19000 جهاز الى 5000 جهاز، وانهاء النشاطات النووية في منشأة فردو العظيمة، وتبديل عشرة الاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 5٪ الى 300 كيلوغرام، والقبول بتطبيق البروتوكول الاضافي لـ 25 عاما، واشتراط تعليق ــ وليس الالغاء ــ العقوبات بتقرير الوكالة حسب برنامج PMDوالذي يسمح لمفتشي الوكالة مراقبة المراكز العسكرية لبلدنا، والرضوخ لاتفاق بمرحلتين والاعلان عنه بالبيان المشترك، والحظر لعشر سنوات من أي بحث تنموي وتحديد التخصيب باجهزة طرد مركزي من الجبل الاول 1IRبسعة1/7 SU، هذا في الوقت الذي تمكنا من التوصل الى اجهزة طرد مركزي متطورة من نوع IR 8 بسعة تخصيب تصل الى SU24، وكذلك تقديمنا لامتيازات عاجلة ومحددة قبال حصولنا على وعود آجلة وضبابية قابلة للتأويل حيث شرع الاميركان باعطاء ايضاحات مختلفة لها. فهل كل ذلك يستتبع معارضة اسرائيل لاتفاقية لوزان؟! لاسيما وقد اكد اوباما وسائر المسؤولين الاميركيين مرارا وتكرارا بعدم التوقيع على أي اتفاقية تعود على اسرائيل بالضرر! متجاوزين عن ما تعبر عنه وسائل الاعلام ومسؤولو الكيان الصهيوني، في اعلانهم المفعم بالدهشة حين يعبرون هذه الايام "ان اتفاقية لوزان ستضمن لعشرين عاما امن اسرائيل، وحتى الخيار العسكري لم يكن بامكانه ان يستحصل هكذا مكسب لتل ابيب"، على لسان هاآرتس وعشرات النماذج الاخرى. فكان حريا على السيد صادق خرازي بصفته خبيرا للشأن النووي والدولي، أي يجيب على هذا التساؤل وهو هل ان المنتقدين في الداخل لاتفاقية لوزان قد شملتهم المصيبة اسوة باسرائيل ام انه يشد على هذه الاتفاقية تناغما مع الكيان الصهيوني؟!
وفي جانب آخر من تصريحاته يقول السيد خرازي: "في السابق كانوا لا يسمحون لايران حتى بامتلاك جهاز طرد مركزي واحد، فيما بامكاننا اليوم امتلاك خمسة آلاف جهاز"! وهو يتملص من الاجابة على هذا السؤال، انه لماذا شطب مقدمة ومؤخرة هذه الفقرة؟! فعلى سبيل المثال لم يبين ماهية معارضة الخصم لامتلاك ايران "حتى جهاز واحد" خلال فترة الاصلاحيين. كان خوفا من الهجوم العسكري الاميركي، اذ لم يكن الاصلاحيون مستعدون لاستئناف الانشطة النووية المعلقة بعد اجتماع سعد آباد، الا ان ابناء الثورة وعلماءنا النوويين لم يرضخوا لابتزازات الاعداء، وبسعيهم الحثيث ليل نهار، اوصلوا عديد اجهزة الطرد الى 19 الف جهاز.
ان السيد صادق خرازي قد توصل بشطبه هذا الجزء من القضية، توصل الى ان فريقنا النووي تمكن في اتفاق لوزان من تمتع ايران بخمسة الاف جهاز طرد مركزي بعد ان كان محروما من جهاز واحد! في الوقت الذي كان ينبغي ان يقول ان الحكومة الحادية عشرة المحترمة قد تسلمت 19 الف جهاز طرد مركزي، وافقدت في اتفاق لوزان 14 الف جهاز من تخصيب اليورانيوم. وكان من البديهي ان، بدل اعزازه بايصال جهاز واحد الى خمسة آلاف جهاز، ان يبحث عن توضيح لايصال 19 الف جهاز الى خمسة آلاف جهاز! فهل يا ترى يعتبر علم الرياضيات الحديثة الخمسة آلاف اكبر من الـ 19 الف؟!
في نفس البرنامج التلفزيوني يقول السيد خرازي: "ان مجموعة 5+1 قد اعملت ضغوطا شديدة كي توقف نشاط منشأة فردو، الا ان صمود ايران افشل هذا الامر"! فهو لا يبين مرة اخرى، بانه في النص الاصلي لاتفاقية لوزان قد تم التاكيد على "ان ايران قد وافقت على ايقاف البحوث والتطوير المتعلقة بالتخصيب لمدة لا تقل عن 15 عاما". فهل يصر السيد خرازي على ادعائه بان الخصم لم يتمكن من اغلاق منشأة فردو؟! لابأس انه تقرر ان يبقى الف جهاز طرد مركزي في فردو الا انها محرومة من أي نشاط يدخل ضمن تخصيب اليورانيوم! على ذلك لا ندري كيف يدعي ان منشأة فردو لم تتوقف عن العمل؟!
لربما يقول انه حسب اتفاق لوزان يمكن ان يكون لايران استخدام منشأة فردو لابحاث سلمية غير التخصيب! وهنا لابد من القول ان القيام بهكذا ابحاث لا يتوقف على منشأة ضخمة ومكلفة كفردو، اذ يمكن انجاز هكذا ابحاث في مختبرات عادية داخل المدن بتكلفة واطئة.
وعلى لسان العديد ممن تحمسوا للاتفاق الاخير نعثر على تصريحات مشابهة، والغريب في الامر ان بعض التهم المذكورة، كمهاجمة صادق خرازي للمنتقدين وادراجهم مع الكيان الصهيوني، تنعكس على القنوات التلفزيونية وبرامجها الاكثر تداولا، ولم تشهد أي رد من مقدمي هذه البرامج للاسف الشديد.
3 ــ واخيرا يتوقع من الحكومة المحترمة وفي اطار الكف عن التمجيد والمبالغة في المديح لاتفاق لوزان، دون التسلح باي وثيقة، ان توفر الاجواء المناسبة لسماع الانتقادات، وتعمل علي تقييمها، ودرج الانتقادات البناءة ضمن العمل على دعم المصالح الوطنية وما الضير فيما اذا لم يكن الاتفاق منسجما والمصالح الوطنية ــ وهو كذلك ــ ان تعيد الحكومة والفريق المفاوض حساباتهم، لاسيما والفرصة لما تفوت بعد.