kayhan.ir

رمز الخبر: 160746
تأريخ النشر : 2022November22 - 20:32

 

د. جمال زهران

الأمر الذي لم يعُد فيه محلّ شكّ، باستثناء السطحيّين، ومن وهبوا أنفسهم للدعاية للتبعية الاستعمارية الغربية، أنّ روسيا قد انتصرت في أزمة أوكرانيا، وضمّت إليها 4 أقاليم من أوكرانيا، بالإضافة إلى إقليم القرم عام 2014، وأضحت روسيا في موقع إدارة هذا الانتصار، تحقيقاً لكلّ الأهداف المبتغاة، جزءاً منها.

ويتساءل كثيرون: عند هذا الحدّ.. هل سيتوقف الأمر، أم لا يزال في الجعبة الكثير؟ فهل ستتوقف الولايات المتحدة عن تغذية الصراع، لتحقيق أهدافها حفاظاً على قوّتها وقدراتها، وفي المقابل استنزاف قوة روسيا وإهدار قدراتها، كما ترنو إليه «دولة الشر»، وهي الولايات المتحدة الأميركية، سواء أكانت إدارة ديموقراطية، أم إدارة جمهورية؟!

فقد تفجرت شائعات، بأنّ روسيا ضربت صاروخين على بولندا، نتج عنهما مقتل اثنين، وإصابة عدد من المواطنين، وباعتبارها إحدى الدول الأعضاء في الناتو، نجد الولايات المتحدة وقد استثمرت الحادث، لإشعال فتيل الحرب ضدّ روسيا! إلا أنه مع نفي روسيا لذلك، واتهام أوكرانيا بأنها هي التي أطلقت هذه الصواريخ لإحداث الفتنة، وتأليب أكثر من الغرب (أميركا وأوروبا) ضدّ روسيا، فقد ثبت كذب الادّعاءات الغربية ضدّ روسيا، وأنّ هناك مقاصدَ خفية وخبيثة لإشعال الحرب في المنطقة؟! ولعلّ القصد الواضح هنا، من وراء الحادث، هو التشويش على النصر الروسي، والمحاولة الروسية للانسحاب من (خيرسون)، وعمل فخ للقوات الأوكرانية التي تمّ تدميرها تماماً!

ولا تزال الأسئلة تفرض نفسها في ظلّ هذه التطورات. فروسيا انتصرت، وتدير هذا الانتصار بهدوء المنتصر الذي لا يجد له، منافساً له قيمة أو تأثير، وبتخطيط لترتيب المستقبل لروسيا العظمى والعالم وتكتلاته.

لذلك، فالعالم يتغيّر الآن، ويُعاد تشكيله بكلّ السبل وعلى كافة الأصعدة.

وأصبح واضحاً أنه في المقابل يسعى الطرف المنهزم، وهو أميركا وأعوانها الأوروبيون، لبذل الجهود وطرح المبادرات سراً وعلانية، من أجل احتواء الأزمة الأوكرانية، ومحاولة إجهاض النصر الروسي وكتلته الدولية التي بدأت تتسع وتكبر. وقد لاحظنا سعي بايدن بمحاولاته للسيطرة، بل وإحكام قبضته على المنطقة العربية والشرق أوسطية، وهي «المنطقة الرخوة»، في الصراع الدولي الجاري حالياً. كما أنّ بايدن يسعى إلى التودّد للصين، بلقاء زعيم الصين، في مؤتمر القمة العشرين الأخير في أندونيسيا، لفك الترابط مع روسيا، وممارسة الضغوط على روسيا، لحلّ الأزمة الأوكرانية، إما بالانسحاب الكامل منها، أو الاكتفاء بما حصلت عليه من مكاسب، والاكتفاء بذلك. إلا أنه من الواضح أيضاً، أنّ روسيا بزعامة بوتين، غير عابئة أو مهتمّة بذلك، حتى لو عقدت مباحثات سرية على الأرض التركية أو غيرها، بين ممثلين عن روسيا، وممثلين عن أميركا أو حتى أوكرانيا، أو أطراف أوروبية، لأنّ بوتين غير مقتنع إلا بتحقيق أهدافه، وتفكيك نظرية الاستعمار الغربي سياسياً واقتصادياً، كما سبق أن شرحت في مقال سابق.

فالأرض أو «المنطقة الرخوة»، وهي «المنطقة العربية» و»الشرق أوسطية»، هي ميدان الصراع المقبل بين الأطراف الدولية (الشرق والغرب)، لاعتبارات جيواستراتيجية (سياسياً واقتصادياً). وقديماً قال مفكرو الجغرافية السياسية وفي مقدّمتهم (ماكيندر)، الذي أشار إلى أنّ من يسيطر على منطقة «القلب» من العالم، تسيطر على العالم كله. ويقصد بمنطقة القلب، منطقة الشرق الأوسط، ولذلك كانت المنطقة العربية والشرق أوسطية، هي ميدان الحربين العالميتين الأولى والثانية، والمرشحة لكي تكون ميداناً للصراع العالمي المحتمل أن يتطور إلى حرب عالمية ثالثة. فالصراع يبدأ بالأزمة في أوروبا، وسرعان ما ينتقل إلى «المنطقة الرخوة»، وهي قلب العالم.

لذلك يسعى كلّ طرف (روسيا + أميركا)، إلى إحراز أكبر قدر من التأييد والدعم بل والسيطرة حتى الهيمنة على منطقة القلب (العربية والشرق أوسطية).

فالغرب يُصرّ على السيطرة بكلّ الوسائل، خصوصاً التهديد والوعيد، على منطقة الخليج العربي وفي المقدمة السعودية، رغم محاولاتهم اليائسة من الفكاك من هذه التبعية. وكذلك تحاول أميركا السيطرة على مصر وقرارها وسيادتها، عن طريق الإغراءات، وهو الذي ظهر واضحاً جلياً في مؤتمر «المناخ»، الذي انعقد في شرم الشيخ (6-19 نوفمبر 2022)، حيث حضر بايدن، ورئيسة مجلس النواب (بيلوسي)، في مشاهد توحي بالرضى الأميركي على الرئيس المصري، والكيد لروسيا التي تسعى هي الأخرى للسيطرة على مصر. وهناك محاولات للسيطرة غير الكاملة على السودان وليبيا، واليمن والعراق ولبنان! كما أنّ أميركا تهيمن تماماً على الأردن في سياق السيطرة على النظم الملكية في المنطقة العربية!

وجميع هذه الدول العربية الحليفة تماماً والتابعة لأميركا، هم حلفاء وليسوا مجرد «أصدقاء»، للعدو الصهيوني، انْ لم يكن بالأصالة، فبالتبعية.

وتظلّ هناك دول عصية على التبعية الكاملة لأميركا، وفي المقدمة تركيا، ودول عصية تماماً وضدّ أميركا وهي دول عربية (الجزائر – سورية)، ودول شرق أوسطية (إيران). وما يحدث من قلاقل في إيران تجاه النظام الحاكم، والانفجارات في تركيا، لا تبعد عن المحاولات الأميركية في السيطرة، في مواجهة روسيا.

إلا أنّ الحكام العرب، لو أدركوا حجم الفرصة المتاحة أمامهم، ليحوّلوا منطقتهم الرخوة، والتابعة في غالبية نظمها الحاكمة، لأميركا وأوروبا الاستعمارية إلى استقلال وطني بالتحالف مع الشرق بقيادة روسيا والصين، والهند، وكوريا الشمالية، وفنزويلا وكوبا والبرازيل مؤخراً، لتوليد شرق عربي جديد، يحمي الإقليم من الدمار المحتمل، وعبث الصراع الدولي وهو جارٍ وفي تصاعد لا رجوع عنه، ويضمنوا من خلال ذلك حقوق الأجيال القادمة من الانخراط في محور استعماري جديد ومتجدّد، يمكن أن يزيل الأخضر واليابس من إقليمنا العربي والشرق الأوسط. ربما تحدث المعجزة، ونحن في الانتظار…

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: