kayhan.ir

رمز الخبر: 160677
تأريخ النشر : 2022November21 - 21:34

 

أيمن الرفاتي

ما حدث من استهداف للحاضنة الشعبية في غزة هو نموذج مصغر كشفته المقاومة وواجهته، بالرغم من الصعوبات والحصار، إلا أن ما يحاك ضد محور المقاومة يعدّ أشد ضراوة خلال الفترة الحالية، وخاصة ما حدث في سوريا ولبنان، وأخيراً في إيران.

لم تترك "دولة" الاحتلال وسيلة إلا وحاربت بها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وقد كان استهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة عنواناً بارزاً لطبيعة الصراع خلال السنوات الأخيرة، وهذا النموذج المتواصل والفاشل بات يتكرر كأحد مكونات استهداف محور المقاومة، وآخرها ما نسمع عنه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ويرتكز استهداف الحاضنة الشعبية وإثارة القلاقل الداخلية على عدد من الأساليب الأمنية والإعلامية، منها سياسة تشويه الصورة وقلب الحقائق وتكبير الأخطاء، ومحاولة إثارة نقمة على من يحملون همّ الأمة ومواجهة الاحتلال والتكبر في العالم.

وتقوم بهذا الفعل أجهزة استخبارية وأمنية عبر تجنيد العملاء والمتعاونين، لتشويه النضال ومواجهة الاحتلال، وتقديم نظريات انبطاحية للجمهور على سبيل تحسين الواقع الاقتصادي مقابل الدخول تحت عباءة النظام العالمي الظالم الذي تهيمن عليه الصهيونية العالمية.

أعداء الأمة بعدما عجزوا عن استخدام الوسائل العسكرية، ووجدوا أن تكلفة العمل العسكري كبيرة، لجأوا إلى الأساليب القذرة؛ لضرب مشروع المقاومة من الداخل، عبر افتعال القلاقل والأحداث الداخلية، وعملوا على تغذيتها عبر صفحات مشبوهة ووسائل إعلام موجّهة تهدف بالدرجة الأولى إلى إشغال المقاومة ووقف مشروعها بالأوضاع الداخلية، وهذا النموذج شاهدناه في قطاع غزة، وفي سوريا، وفي لبنان، وأخيراً نراه في إيران.

من يتابع تحركات الأعداء في هذا المضمار، خلال العقد الأخير، يدرك حجم الجهد والأموال التي تدفع لقلب الحقائق وتنفير الجماهير من حول برنامج مواجهة الاستكبار العالمي، والهدف الأساسي وقف نمو فكر المقاومة ومحاولة تحجيمها وإشغالها بعيداً عن مواجهة الأعداء.

في تجربة قطاع غزة، واجهت فصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس التي تدير الشؤون العامة في قطاع غزة، هجمات متواصلة تجاه حاضنتها الشعبية، قادتها أجهزة أمن الاحتلال والأجهزة الأمنية المتعاونة معها، وقد جندت فرقاً من الفلسطينيين من داخل قطاع غزة وخارجه لتحريض الشارع الفلسطيني ضدها، مستغلة كل حادثة أو مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، على أمل أن تتوقف مسيرة المقاومة وأن تقبل قيادة المقاومة بوقف مراكمة القوة مقابل تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

وقد كان جلّ التحريض الذي تتعرض له المقاومة في قطاع غزة بأنها المسؤولة عن الوضع الاقتصادي المتردي (سببه الأساسي الحصار)، فيما كانت فكرة المقاومة مستهدفة، لدرجة أن التحريض وصل إلى القول (بدلاً من صناعة صاروخ، نصنع ما نحسن به وضعنا الاقتصادي)، وقد استهدفت المقاومة قيادة وأجهزة ووزارات خدمية، لكن أخطرها التحريض على القيم الدينية والمساجد والأئمة والخطباء.

ما حدث من استهداف للحاضنة الشعبية في غزة هو نموذج مصغر كشفته المقاومة وواجهته باقتدار، بالرغم من الصعوبات والحصار، إلا أن ما يحاك ضد محور المقاومة يعدّ أشد ضراوة خلال الفترة الحالية، وخاصة ما حدث في سوريا ولبنان، وأخيراً في إيران.

نموذج إيران

أما إيران، فما يجري فيها نموذج أكبر وأخطر تشارك فيه أجهزة استخبارات دولية وإقليمية، وقد تطور من تقليص صادراتها النفطية للتأثير في الاقتصاد الإيراني والمساس بالمواطن الإيراني، وصولاً إلى تحريك خلايا "داعش"، والاغتيالات، وتجنيد خلايا تعمل لمصلحة "الموساد" والتحريض المتواصل عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتجنيد الخلايا لإثارة الشغب والقلاقل الداخلية.

لا أحد ينكر أنه منذ عهد رئيس الموساد مائير داغان (2002-2010) تعزز العمل الأمني الإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية، وقد تشاركت فيه أجهزة أمن عديدة لتجنيد العملاء، وأخيراً تطور في ظل قيادة الرئيس السابق يوسي كوهين عبر سياسة تنفيذ الاغتيالات، وقد بلغ ذروته في عهد الرئيس الجديد دافيد برنياع، الذي أكد قبل ثلاثة أشهر أن عمليات الموساد في إيران ستستمر حتى بعد توقيع الاتفاق النووي.

حجم الصفحات وتقارير وسائل الإعلام وأخبارها الموجهة ضد إيران، خلال الفترة الحالية، هو أضعاف ما رصدته المقاومة الفلسطينية خلال السنوات الماضية من محاولات استهداف حاضنتها الشعبية، وهو ما يمكن تفسيره بأنه النموذج الأكبر لمحاولات التأثير في الجماهير عن بُعد، والتي تقوم بها الاستخبارات العالمية، إذ تشارك في هذا الأمر الولايات المتحدة ودول أوروبية و"دولة" الكيان وبعض الدول العربية.

والشغل الشاغل لهذا العمل الموجّه تضخيم الأحداث الداخلية، ومحاولة إدخال فئات جديدة ذات مطالب ذاتية في المواجهة الداخلية، إضافة إلى إثارة الحنق على القيادة والرئاسة والحكومة والأجهزة الأمنية التي تحمي الثورة، وصولاً إلى حرب أهلية تضعف الجمهورية الإسلامية، وتثنيها عن مشروع المقاومة والثورة.

باعتقادي، الولايات المتحدة والكيان بدآ استخدام الحلول الأخرى في التعامل مع إيران (الضغط الاقتصادي، والعمل الاستخباري، وإثارة القلاقل والحرب الداخلية)، وهو ما عبّر عنه رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ايال حالوتا في أيار/ مايو الماضي بأن "دولة" الكيان غير مهتمة حالياً بحل عسكري ضد البرنامج النووي، وهي تبحث عن خيارات أخرى للتعامل مع التهديد الذي تمثله الطموحات النووية الإيرانية.

وبقراءة ما صدر عن معهد دراسات الحرب الأميركي في 17 تشرين الثاني /نوفمبر الحالي حول ما يجري في إيران بأن حركة الاحتجاجات وصلت إلى العتبة المحددة في العقيدة العسكرية الأميركية للتمرد "الكامن والبادئ"، أي أنها على عتبة التحول إلى حالة أكثر تنظيماً، يمكن إدراك حجم التخطيط والدعم الأميركي لإحداث القلاقل داخل إيران، وكيف أن هناك سعياً لتضخيم ما يجري ورغبة في نقل حالة الخلايا الأمنية والعملاء إلى ما هو أشبه بالتنظيمات الكبيرة.

من يتابع الأحداث في إيران يدرك جيداً أن هناك محاولات لتطبيق نظريات للتأثير عن بُعد، بهدف تحريك الجماهير، وهي تدمج ما بين نظريات "غوستاف لوبون" مؤسس علم نفس الجماهير ونظريات حديثة أخرى، وهي تستخدم أسلوباً يطلق عليه "عكس الهرم، واستهداف القاعدة الشعبية المباشرة بالأدوات الحديثة"، بهدف إحداث تغيير كامل وكبير تنتج منه رموز وقادة رأي جدد بأفكار جديدة تسعى لتغيير النظام، والدخول في حرب داخلية لإضعاف المكونات الداخلية للدولة.

ما يجري في إيران بات مكشوفاً ومعروفاً لدى الشعب الإيراني بأنه مؤامرة خارجية، وهو ما صرح به علانية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال كلمة له الشهر الماضي بالقول:" هدف العدو تصميم مؤامرة جديدة لمنع البلاد من التقدم،.. عندما كانت الجمهورية الإسلامية تتغلب على المشاكل الاقتصادية وتصبح أكثر نشاطاً في المنطقة والعالم، دخل الأعداء إلى الميدان بقصد عزل البلاد، ولكنهم فشلوا في هذه المؤامرة أيضاً ".

كما فشل الاحتلال وأعوانه على مدار سنوات في إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ولم يستطيعوا دفع الفلسطينيين إلى التفكير في الوضع الاقتصادي قبل التخلص من الاحتلال، فإن مصير مؤامراتهم على إيران إلى الفشل، لأنهم لن يستطيعوا ثني الشعب الإيراني عن إكمال مسيرة ثورته.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: