kayhan.ir

رمز الخبر: 160051
تأريخ النشر : 2022November11 - 20:40

ناصر قنديل

ــ لم يتأخّر الوقت منذ إشارة «البناء» الى وجود خطة لنقل المعركة الرئاسية من عنوان التوافق الى عنوان النصاب، حتى ظهرت المواقف في جلسة الأمس النيابية، على ألسنة نواب حزب الكتائب وكتلة التغيير، ولعل ما قاله النائب ملحم خلف منسقاً مع نواب حضروا اللقاء الذي عقد في مقر حزب الكتائب، كافياً للتعبير عن مضمون الموقف، وهو أن الجلسة النيابية التي تفتتح بنصاب الـ 86 تبقى سارية حتى لو انخفض حضورها عن هذا العدد الذي يمثل ثلثي المجلس النيابي، طالما أنه يبقى كافياً لتأمين انتخاب رئيس بتصويت 65 نائباً، وبالتالي اعتبار نصاب الدورات التي تلي الدورة الأولى للانتخاب 65 نائباً بدلاً من 86 نائباً، والاستناد في ذلك إلى أن المادة 49 التي تحدثت عن آلية انتخاب رئيس الجمهورية، حصرت التحديد بالعدد اللازم من الأصوات للفوز بالرئاسة ولم تشر إلى النصاب. ما يعني أن النصاب المطلوب هو الذي يؤمن العدد المطلوب للفوز لا أكثر، فماذا يعني ذلك، وما هو موقعه الدستوري؟

ــ ما يتجاهله أصحاب هذه النظرية أمران جوهريان يتنافيان مع ما يريدونه لتهريب العملية الانتخابية بإيصال رئيس للجمهورية بتمثيل نيابي ضيق، قد يتناسب مع حالة رئيس يمارس السلطة الإجرائية ويحاسب أمام مجلس النواب، لكنها تتنافى مع رئيس يريده الدستور رمزاً لوحدة البلاد، وعنواناً لوفاق مكوّناتها، يقبل انتخابه بالأغلبية المطلقة المكونة من 65 نائبا لكن بشرعية أوسع يوفرها حضور ثلثي المجلس النيابي. والأمر الأول هو أن النص الدستوري في المادة 49 موجود منذ الاستقلال، وتطبق هذه المادة منه وفق طريقة واحدة هي التمسك بنصاب الثلثين. ونحن هنا لا نتحدث عن العُرف وتراكم الأعراف وقوتها، بل عن سر هذا التمسك على مدى سنوات وعقود شهدت أزمات رئاسية كان محورها النصاب، ولم يجرؤ أحد على العبث بنصاب الثلثين، ولو كان ذلك مقبولاً لما امتنع الذين قادوا معركة انتخاب بشير الجميل عن اعتماده، وبينهم أساتذة في القانون الدستوري لا يقلّون علماً عن النائبين نديم الجميل ومحلم خلف. وفهم السبب سيكون أسهل عند التطرّق للأمر الثاني، وهو أن محاولات جرت للتخلص من نصاب الثلثين، قبل اللجوء إلى محاولة تخفيض النصاب بتهديد النواب وجلبهم للحضور بالقوة، أو تهديد حياة بعضهم أملاً باحتساب النصاب على ثلثي عدد النواب الأحياء.

ــ الأمر الثاني هو أن أساتذة القانون الدستوري الذين رافقوا معركة انتخاب بشير الجميل يعلمون أن النص اللبناني مأخوذ حرفياً عن النص الفرنسي، فلجأوا إلى المراجع الدستورية الفرنسية، ليجدوا أن ما قاله وكتبه المرجع الدستوري الأبرز في تاريخ لبنان أدمون رباط لا يمكن المجادلة بصوابه، فرضخوا لما نصّ عليه وما دعا إليه، وقد حدث في تاريخ لبنان قبل الطائف أن طرح الجدل الدستوري حول النصاب مرتين، مرة في انتخاب الرئيس الياس سركيس ومرة في انتخاب الرئيس بشير الجميل، وفي المرّتين انصاع المعنيون بالنقاش الدستوري، ومعهم رئاسة مجلس النواب وهيئة مكتب المجلس إلى ما ذهب إليه رباط وساندته كتابات المفكر الدستوري الفرنسي فرانسوا جيني، بعدم العبث بنصاب الثلثين في كل دورات الاقتراع مع تغيّر العدد المطلوب للفوز بتطبيق نص المادة 49 حول الثلثين للدورة الأولى والأغلبية المطلقة للدورات التي تلي. وهذا ما حصل خلال انتخاب الياس سركيس في سنة 1976 عندما انتظر مجلس النواب لأكثر من ساعتين كي يتأمن هذا النصاب (67 نائباً من أصل 99) من أجل الشروع في انتخاب رئيس الجمهورية. وقد تكرّر هذا الأمر أيضاً ضمن أجواء أكثر حدّة في سنة 1982 عند انتخاب بشير الجميل بحيث انتظر مجلس النواب مجدداً لأكثر من ساعتين بغية تأمين نصاب الثلثين المذكور. هذا علماً أنّ الياس سركيس فاز من الدورة الثانية لكونه نال فقط 63 صوتاً من أصل 99 في الدورة الأولى أي ما دون غالبية الثلثين التي تمّ احتسابها انطلاقاً من مجموع أعضاء مجلس النواب. وكذلك الأمر بالنسبة لبشير الجميل الذي نال في الدورة الأولى 58 صوتاً فقط ليفوز في الدورة الثانية بحصوله على 57 صوتاً أي أكثر من الغالبية المطلقة التي احتسبت أيضاً انطلاقاً من مجموع أعضاء مجلس النواب، لكن دائماً بحضور نصاب الثلثين (62 نائباً من أصل 92).

ــ يستند حسم ادمون رباط لنصاب الثلثين، إلى الانطلاق من أن مجرد النص طلب على نصاب موصوف أو غالبية موصوفة في الدستور يعني خصوصيّة تبرر الطلب، والغالبية الموصوفة المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية، تأكيد كما في كل نص دستوريّ مشابه على مكانة خاصة للعملية التي يُقدِم عليها المجلس النيابي، سواء كانت تشريعاً أو محاسبة أو انتخاباً. وهذا معنى طلب أغلبية الثلثين لتعديل الدستور وأغلبية الثلثين لاتهام رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء، لتتكشّف طبيعة الخصوصية التي أرادها المشترع من وراء النص وحجم أهمية العدد المطلوب من النواب لإنجازها وفقاً لحجم أهميتها، ويخلص الى أن انتخاب رئيس الجمهورية يُعتبر أهم الأعمال الوطنية التي يقدم عليها مجلس النواب ويتولاها، وأهم الأعمال الإنشائية في بنية مؤسسات الدولة، ويستخلص رباط أنه إذا كان توجيه اتهام لوزير بالتقصير في مهامه الوظيفية يستدعي تصويت الثلثين الذين يتكوّن منهم المجلس قانوناً بما يعني حضور هذين الثلثين حكماً في تشكيل النصاب المطلوب، فهل يعقل أن يكون نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بنصاب أقلّ؟ ويضيف أن ارتضاء المشترع لفوز الرئيس بأغلبية مطلقة في الدورات التي تلي الدورة الأولى يتحول استخفافاً بموقع الرئاسة إذا لم يتم التمسك دائماً بنصاب الثلثين، حيث سيعبّر النصاب عن حجم الشراكة الوطنية وتعبر الأغلبية عن الطابع الديمقراطي للانتخاب. ويرتكز رباط الى اجتهادات عديدة للمفكر الدستوري الفرنسي فرانسوا جيني حول الأهمية الوطنية لموقع رئاسة الجمهورية ليقول «إنّ المصلحة الوطنيّة تفرض انتخاب رئيس الجمهورية بغالبيّة كبيرة، إذ لا يعقل أن ينتخب الرئيس بنصاب عاديّ وأن يكون بالتالي ممثلا لأقلية من الشعب».

ــ اسحبوا الهرطقات الدستورية من التداول فقد اختبرها أسلافكم ورضخوا لنظرية رباط، وفقاً لمعادلة أن الأغلبية والأقلية تصلحان لتنظيم الحياة السياسية في ما دون رئاسة الجمهورية، وتصلحان فيها بحدود لا تصيب معادلة أن الرئيس رمز لوحدة الوطن، فلا يحتمل البلد رئيساً يغيب عن جلسة انتخابه أكثر من ثلث النواب، وهذا هو حجم الأقلية التي تتّسع لها جلسة الانتخاب.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: