kayhan.ir

رمز الخبر: 159493
تأريخ النشر : 2022November01 - 20:10

 

عادل الجبوري

تباينت الحكومة الجديدة، برئاسة محمد شياع السوداني، من حيث المخاض والظروف المرافقة لتشكلها ولولادتها، عن الحكومات السبع السابقة لها.

بعد أكثر من عام كامل على إجراء الانتخابات البرلمانية المبكّرة، وبعد صراعات وتجاذبات سياسية حادة، كادت تعصف بعموم الوضع العراقي، طُويت صفحة الانسداد والجمود السياسيَّين، من خلال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ونيلها ثقة البرلمان في السابع والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة حافلة بالاستحقاقات والمطالب والتوقعات والمخاطر والضغوط والتحديات.

تباينت الحكومة الجديدة، برئاسة محمد شياع السوداني، من حيث المخاض والظروف المرافقة لتشكلها ولولادتها، عن الحكومات السبع السابقة لها.

فلأول مرة ينجح رئيس الوزراء المكلّف في إنجاز تشكيل حكومته خلال أسبوعين فقط، أي أقل من نصف المدة الدستورية المحدَّدة بـ 30 يوماً من تأريخ التكليف. وربما لأول مرة أيضاً، ينجح رئيس الوزراء المكلف في تقديم "كابينة وزارية" أشبه ما تكون بالمتكاملة، إذ إنه جاء بـ 21 مرشحاً لشغل 21 حقيبة وزارية، من مجموع 23، لتبقى حقيبتان معلَّقتين، هما البيئة والإعمار والإسكان، بسبب خلافات بين الحزبين الكرديَّين الرئيسَين، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل الطالباني.

في السابق، كان هناك عدد غير قليل من الوزارات لا يُحسَم أمرها منذ البداية، بسبب الاختلافات والتقاطعات بين الفرقاء. والأكثر من ذلك، أن بعضها كان يُدار من رئيس الوزراء، أو من جانب وزراء آخرين بالوكالة.

إلى جانب ذلك، فإن سرعة منح الثقة لمرشحي الوزارات من جانب أعضاء البرلمان الحاضرين في جلسة منح الثقة، وعددهم 253 نائباً، كانت لافتة وغير مسبوقة، وعكست وجود توافقات وتفاهمات جيدة بين الكتل والقوى السياسية المتعددة، انطلقت، في جانب منها، من الرغبة الجادة في تجاوز المنعطف الخطير والمأزق الخانق اللَّذين وصلت إليهما العملية السياسية في البلاد.

ومن حيث تركيبتها العامة، ضمّت التشكيلة الحكومية الجديدة شخصيات سياسية وأكاديمية محسوبة على القوى السياسية، التي شكّلت تحالف إدارة الدولة من المكونات الثلاثة، الشيعية والسنية والكردية، متمثّلة بقوى الإطار التنسيقي، وأبرزها ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح وحركة عصائب أهل الحق وكتلة تصحيح، بالإضافة إلى الحزبين الكرديَّين الرئيسين، الديمقراطي الكردستاني والوطني الكردستاني، إلى جانب تحالف السيادة وتحالف عزم، وحركة "بابليون" المسيحية.

بينما أعلن في وقت سابق كل من المستقلين، ومعهم حركة امتداد التشرينية، وحراك الجيل الجديد الكردي، وتيار الحكمة، وإشراقة كانون، عدم مشاركتهم في الحكومة، ومع مقاطعة كاملة من جانب التيار الصدري، الذي كان أعضاؤه الـ 73 في البرلمان انسحبوا واستقالوا أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي، بأمر من زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، علماً بأنه أعلن، فيما بعدُ، اعتزال العمل السياسي، احتجاجاً واعتراضاً على نهج المحاصصة في إدارة شؤون البلاد، ولأنه لم يتمكن من تطبيق رؤيته بشأن تشكيل حكومة أغلبية وطنية مع بعض شركائه الأكراد والسنّة.

العدد الأكبر من أعضاء حكومة السوداني لم يتسلم مناصب وزارية في السابق، إلّا 5 منهم، بينهم وزير الخارجية فؤاد حسين، ووزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق، اللذان كانا يشغلان موقعيهما الوزاريَّين نفسيهما في الحكومة السابقة، بالإضافة إلى وزير الصناعة والمعادن خالد بتال، الذي كان يشغل منصب وزير التخطيط في الحكومة السابقة، ومحمد تميم، الذي كان وزيراً للتربية في حكومة نوري المالكي الثانية (2010-2014)، وأُنيطت به حقيبة التخطيط في الحكومة الجديدة، ووزير الصحة الحالي صالح مهدي الحسناوي، الذي كان شغل المنصب نفسه بين عامي 2008 و2014.

وإلى جانب الشخصيات الأكاديمية والمهنية (التكنوقراط) في حكومة السوداني، فإن هناك شخصيات سياسية تشغل مواقع قيادية متقدمة في بعض القوى والكيانات، اختيرت لتولي مناصب وزارية في الحكومة الجديدة، مثل القيادي في حركة عصائب أهل الحق نعيم العبودي، الذي تولّى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس كتلة السند الوطني والقيادي في الحشد الشعبي، أحمد الأسدي، الذي تولّى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى العضو القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، خالد شواني، الذي تولى حقيبة العدل في حكومة السوداني.

وفي الوقت ذاته، ضمّت الحكومة الجديدة 3 نساء، هنّ كل من وزيرة المالية طيف سامي، التي كانت تشغل موقع وكيلة وزير، وتُعَدّ طوال أعوام العقل المدبّر في الوزارة، ولاسيما حينما كانت تشغل منصب المديرة العامة لدائرة الموازنة. والمرأة الأخرى هيام الياسري، التي أُنيطت بها حقيبة الاتصالات، بالإضافة إلى وزيرة الهجرة والمهجرين، إيفان فائق.

لا شكّ في أن الوقوف عند طبيعة تركيبة الحكومة الجديدة، من زوايا وجوانب متعددة، يمكن أن يساعد، بمقدار معين، على التأشير على فرص نجاحها، وتشخيص هواجس إخفاقها أيضاً. فوجود شخص، مثل محمد شياع السوداني، على رأس الحكومة، يُعَدّ مؤشراً نسبياً على النجاح، ارتباطاً بكون الرجل تدرّج في عدد من المواقع التنفيذية العليا، فضلاً عن وجوده عضواً في البرلمان لأكثر من دورة. وبالتالي، لديه معرفة وإلمام بكثير من التفاصيل والجزئيات، ولا يخفى عليه كثير من مسارات الانحراف والفساد وسوء الإدارة والتخطيط.

وفضلاً عن ذلك، فإنه - أي السوداني - يمتلك سيرة مهنية وشخصية خالية من شبهات الفساد وسوء استغلال السلطة، وعدم التورط في أي مشاريع تنطوي على طابع سلبي، إلى جانب علاقاته الجيدة بمختلف القوى والاطراف. وفوق هذا وذاك، فإنه جاء ببرنامج وزاري يتسم بالواقعية والعملية، إلى حد كبير، وتضمّن خمس أولويات، هي:

- مكافحة الفساد، إدارياً ومالياً.

- معالجة ظاهرة البطالة وخلق فرص العمل للشباب من الجنسين.

- دعم الفئات الفقيرة والهشّة ومحدودي الدخل من المواطنين.

- إصلاح القطاعات الاقتصادية والمالية، وخصوصاً قطاعي الزراعة والصناعة، والقطاع المصرفي، ودعم القطاع الخاص.

- العمل بصورة عاجلة على التحسين والتطوير للخدمات التي تمس حياة المواطنين.

وأقر البرنامج الوزاري إعادة النظر في جميع قرارات حكومة تصريف الأعمال اليومية، برئاسة مصطفى الكاظمي، وخصوصاً الاقتصادية والأمنية، والتعيينات العشوائية وغير المدروسة، وصرف مستحقات البترودولار للمحافظات المنتجة للنفط والغاز، وفق مدد زمنية مقبولة، وإجراء انتخابات مجالس المحافظات وتحديد موعد إجرائها في البرنامج الحكومي، والتزام الحكومة بناء أدوات فعالة لمحاربة الفساد، خلال مدة أقصاها 90 يوماً من تاريخ تشكيلها، والتزام إعادة النازحين إلى مناطق سكنهم خلال 6 أشهر من تشكيل الحكومة، بمن في ذلك نازحو منطقة جرف النصر شمالي محافظة بابل، بعد التدقيق في ملفاتهم أمنياً، وإكمال تشريع قانون النفط والغاز، وفقاً للدستور، في غضون 6 أشهر من تاريخ التشكيل.

ليس هذا فحسب، بل إن الدعم السياسي الواسع له، والتفاعل الشعبي معه، والإشارات والرسائل الإيجابية من المحيط الإقليمي والفضاء الدولي، كلها تُعَدّ أرضيات ملائمة من شأنها أن تعزّز فرص النجاح وتكرّسها. والأمر المهم أيضاً، يتمثّل بأن حتى الأطراف المعارضة والمقاطعة، كالتيار الصدري، التزمت الصمت، ولم تتبنَّ أي مواقف أو تحركات تعرقل تشكيل الحكومة وتعوّقها، كما كان متوقَّعاً. ويبدو أن التيار رأى ضرورة في إعطاء فسحة من الزمن للسوداني وحكومته، ثم يكون له موقف في ضوء طبيعة الأداء ومخرجاته بعد 3 شهور، أو أكثر قليلاً.

وإذا كانت إيجابية الأجواء والمناخات للدعم والإسناد، وسرعة تشكيل الحكومة، وسرعة نيلها ثقة البرلمان، وضمّها شخصيات مهنية وكفوءة ونزيهة، وواقعية البرنامج الوزاري، وقبل ذلك كله، شخصية رئيسها وسيرته ومسيرته، هي جميعها بمثابة فرص ومقومات للنجاح، فإن هنالك هواجس قلق غير قليلة من الفشل والإحباط والتلكّؤ والإخفاق، يُوجدها أو يعزّزها بقاء آليات المحاصصة السابقة وسياقاتها نفسها في تشكيل الحكومة وتقاسم المواقع فيها، حتى إن كانت هوية بعض أعضائها أو أغلبيتهم من غير المنتمين إلى الأحزاب والقوى المشاركة.

بالإضافة إلى حجم الملفات والقضايا الشائكة والمعقَّدة والمتعلقة بالفساد والخدمات والأمن، والتي وجدها أو سيجدها السوداني مكدَّسة أمامه على الطاولة، في مقابل السقوف الزمنية القصيرة، ناهيك بالتقاطع والتضارب في إرادات مختلف الأطراف الداخلية ومصالحها، وعدم استعداد كثير من تلك الأطراف للتنازل عن تلك المصالح، وإن كان ذلك يصبّ في الصالح العام، ويسهّل تنفيذ البرنامج الوزاري الموعود، هذا من دون إهمال الأجندات والاشتراطات الخارجية، وخصوصاً الأميركية، والتي راحت تُطرح وتتسرّب من هنا وهناك، عبر مقالات ودراسات وتقارير لبعض مراكز الأبحاث القريبة من دوائر القرار العليا في واشنطن، مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وغيره.

 

يُخطئ من يتصوّر أن كل الأطراف الداخلية والخارجية تتمنى فعلاً نجاح السوداني في مهمته الثقيلة، ويُخطئ من يتصور أن الأجواء والمناخات الكبيرة والواسعة للدعم والإسناد والتأييد ستبقى على حالها ولا تنقلب إلى انتقادات وحملات تسقيط وتشهير وضغوط وعراقيل، وقد تأتي ربما من الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء.

 

يمكن أن ينجح السوداني وفريقاه، الوزاري والاستشاري، في استثمار الفرصة أو الفرص المتاحة، وفك بعض العقد المستعصية، وحلحلة الأزمات الخانقة، بيد أنه، في ظل ظروف وأوضاع كالتي يعيشها العراق، عبر تراكماتها السابقة وتحدياتها المقبلة، يتطلّب الأمر التكاتف والتعاضد من الجميع، وتشخيصاً وتخطيطاً دقيقَين، وصبراً جميلاً في انتظار النتائج المرجوّة، وتجنّب رفع سقف التوقّعات المتفائلة، وفهماً وتفهّماً كافيَين لحقائق الواقع ومعطياته. وبخلاف ذلك ستتكرّر السلبيات والأخطاء ذاتها، وتتفاقم المشاكل والأزمات، وتنتهي الأمور مجدَّدا إلى الجمود والانسداد.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: