من ذكريات تلك الايام
حسين شريعتمداري
1 ـ أستجمع خاطرة من فترة حرب المدن وقصف المناطق الآهلة بالسكان ولما كان يتداخل فيها حديث لرسول الله(ص) الذي لا يشوبه القدم. لنقرأ؛ كنت سألت في مرحلة شبابي الاستاذ الشهيد مرتضى المطهري، وكذلك سألت نفس السؤال من المرحوم العلامة الجعفري، فكانت الاجوبة دقيقة ومقنعة، ولكن في تلك الليلة حصلت على اجابة من نوع آخر تقر له العين وتسكن به النفس فهو مصداق عيني لما اجاب به المفكران بشكل نظري.
فهي الليلة الاولى لقصف طهران بالصواريخ. اذ سقط الصاروخ الاول قرب الغروب في شارع الشيخ هادي ليدمر مشفى فيه. وما كان الناس حينها يعلموا علة هذه الاصوات المخيفة والانفجارات القوية المتتالية التي يخلفها القصف الصاروخي العراقي.
اذ كانوا يعتقدون انه القصف الجوي كما في السابق، مستغربين انه لماذا لا تطلق صفارات الانذار بخطر قدوم الطائرات كما كان يحصل قبلها. الا اننا في حرس الثورة الاسلامية كنا نعلم انها صواريخ عراقية ـ وبعبارة انتاج مشترك روسي اميركي بريطاني ـ مع تحسين مدياتها لتصل الى طهران.
فشوارع طهران كانت خالية من المارة فيما الصواريخ تأتي تترا بصوتها المجلجل في السماء وبعد ثواني يُملأ الجو باصوات الانفجارات... ففي عتمة الليل حل صاروخ آخر يتجه الى جبال شمال طهران حسب ما نستدل من لون عادماته وبعد ذلك نسمع انفجار مرعب في تلك النواحي... فانبرى احد الاخوة الزملاء في حرس الثورة الاسلامية كان الى جانبي يتساءل والوجل يصفح وجهه؛ جماران؟!.... فملأنا القلق ... فاتصلنا بالاخوة في حرس جماران... ولا خبر. والقلب الذي كان يدق بصعوبة استقر حينا... حقاً لو كان الصاروخ قد اصاب جماران وبيت الامام المتواضع الذي ينعدم فيه اي ملجأ، فما كان يحصل حينها؟ فبمجرد ان نتصور ذلك هو امر كارثي... لو كانت تصيب الامام؟... فدار السؤال في ذهني ساعتها بقلق وهكذا ضل يدور ويدور لاصل الى انه لو لم تكن هبة باسم الخميني فما الذي كان يحصل؟...
لكنا نعيش عالماً ملؤه الاوغاد ومدارس فكرية لاطائل منها تحوطنا من كل حدب وصوب. لبقينا مع الليبراليين الديمقراطيين الغربيين والرأسماليين عديمي الشخصية ككومة من العفن. لبقينا والاتحاد السوفياتي والماركسية ماحقة الانسانية، وبريطانيا وابناء قراصنة البحر الذين يحكمون هناك... فما نفع هكذا عالم بهذه الاطياف والمدارس بتعدد ميولها؟... ورويداً رويداً كنت اقترب من اجابة سؤالي... لو لم يكن رسول الله (ص) قد بُعث للنبوة، فما عذرنا للبقاء في هكذا دنيا؟ ... وما نفع خلق الناس والارض والسماء؟!... لا شيء ! .... فهذه الاجابة الخالية من الضبابية لذلك الكلام النوراني الذي خاطب به الله تعالى رسوله الكريم... " لولاك لما خلقت الافلاك".
2 ـ وجاء في الآيات الثانية والثالثة من سورة الجمعة "هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين(2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم(3)".
فبعد نزول هذه الايات، تساءل الحضور؛ من اولاء الذين (وآخرين منهم) مازالوا لم يلتحقوا بالاعراب؟ فوضع رسول الله (ص) يده على كتف سلمان الفارسي، قائلا: لو كان الايمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء هم الذين يأتون من بعدهم الى يوم القيامة، وعشرات الآيات من هذا القبيل، ذكره الفريقان بشكل متواتر.
3 ـ وبعد ذلك دار الزمان ليعبر عقبات كأداء حتى يصل الى مرحلة ان رسوله الله (ص) قد اخبر، كما واوصى امير المؤمنين(ع) الناس للاستعداد لذلك اليوم. فالامام الراحل وجه الثورة، والشعب الايراني (نفسهم الذين اشار اليهم رسول الله انهم من رجال فارس) وجدوا هذا النداء مأنوساً في انفسهم فهبوا له بالقلوب قبل الايدي والارجل ليضحوا بدمائهم، وانفسهم ليخرقوا سقف الظلمة العالمية. فقدموا انموذجاً فريداً للعالم، استطاع ان يقاوم لـ 44 عاما رغم الهجمات الشرسة من كل جانب تقودها القوى الصغيرة والكبيرة، فليس لم تضعف عزائمهم وحسب بل خطوا منذ البدء ولليوم خطوات كبيرة وما الدليل على ذلك؟ واي دليل افضل من انه بعد 44 عاما، قد دفع نظام الهيمنة الدولية كل قواه لمواجهة هذه الثورة الاسلامية في الساحة.
وكما قال سماحة الامام (ره) مخاطبا اميركا:
"فان قلتم لم يحصل شيء، فلماذا هذه الضجة التي تثيرونها"؟! ....
وباختصار علينا القول؛ إن اعمال الشغب في هذه الايام تستبطن رسالة واضحة تخلو من الضبابية، وهي ان الاعيب الاعداء قد استنفدت اغراضها. وهو ما اكده سماحة القائد قبل امس الاول لدى استقباله اعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام قائلا: اعمال الشغب المتناثرة الاخيرة هي مخططات خرقاء للعدو.