هوية الاسلام المحمدي الاصيل
حسين شريعتمداري
1 ـ "العشرون من شهر صفر عام 61 للهجرة واربعون يوماً على شهادة الحسين بن علي(ع) واصحابه الميامين. اوصل جابر بن عبدالله الانصاري الصحابي الجليل وعلى كبر سنه وفقدانه لبصره الى كربلاء بمعية "عطية العوفي" من الاوفياء لامير المؤمنين(ع) ومن الرواة وناقل تفسير اهل البيت(ع)، جاءا لزيارة تربة سيد الشهداء المقدسة واصحابه الشهداء البررة.
ويذكر انه بعد سويعات على قدوم جابر وعطية وصلت قافلة الاسرى من الشام ليجتمعوا مع عزاء جابر في مشهد حزن وآه ...
ان لوح الزمان أظلم وسوداوي... اذ تربع أبناء هند آكلة الاكباد والتي مضغت كبد حمزة عم الرسول (ص) بمعركة اُحد في تعبير عن سوداوية وحقد دفين على الاسلام على منبر رسول الله(ص)، جلسوا يدّعون انهم خلفاؤه!... الا ان الامور بشكل وكأن الآية من سورة الروم وصفاً للحال؛ "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس"... ان لا نور في آفاق الذهن لقادم الايام!... وكأن العمر ينقضي بهذا الشكل! فسقف ظلمات الزمن اكثف مما يتوقع خرقه! والليل أطول من ان تحتمل بزوغ السحر!..."
ومضت الف واربعمائة واربعون سنة وعدة سنوات من ذلك التاريخ وذلك اليوم، ومرة اخرى نعيش الاربعين، فيدور الزمان ونعبر اشد المنعطفات خطراً لنصل مرحلة يطلق عليها عصر الخميني فهو الاسم الانور لذلك.
فاُنزل ابناء هند آكلة الاكباد من منبر رسول الله (ص) واشتد لهاث قاطني "البيت الاخضر" اذ غيروا اللون رياءً، اذ سكنوا "البيت الابيض"!، فلا خبر عن غربة الاسلام وغربة آل الله في اربعينية الحسين(ع). فلسنوات وحين يحل موعد الاربعين، فان عشرات الملايين من محبي مولانا الحسين(ع) يأتون من اصقاع الارض لزيارة تربة الحسين بن علي (ع) بعد ان قطعوا مئات الكيلومترات بين مدن العراق الى كربلاء مشياً على الاقدام، ويزداد العدد يوما بعد آخر...
وهذا العام بلغ العدد الى ثلاثين مليون زائر و... اضافة للعالقين والمعذورين عن السفر. فمسيرة الاربعين هي الاكبر والاكثر عدداً والحضور الشعبي الذي قل نظيره في تاريخ البشرية منذ نشأته والى يومنا هذا.
3ـ وقبل سنوات، وخلال مقال كتبته للصحيفة لمناسبة عاشوراء الحسين(ع)، اشرنا الى؛ "عصر ذلك اليوم الأليم، وقبل ان يقدم مولانا راسه بساعة، هتف بنداء "هل من ناصر ينصرني" فعض الشيطان على اصبعه غيظا، فمن يخاطب ابن رسول الله الحسين(ع)؟ فهو من يستنجد؟ فاصحابه كلهم قد جندلوا شهداء في المعركة، وفي الجهة المقابلة يصطف اعداؤه بسيوف ملطخة بالدماء! فمع من يتحدث الحسين(ع)؟ وفي هذه الصحراء القفرة الملتهبة من ينتظره الحسين(ع)؟ وكان الشيطان قد شهد واقعة صحراء منى وذبح اسماعيل وكيف جاء الخطاب الرباني "وفديناه بذبح عظيم"، ولكن هنا كم من اسماعيل قد تضرج بدمه، ولم يكن من خبر حول "ذبح عظيم". وهنا كربلاء والحديث يدور حول "شاء الله ان يراك قتيلا". فحار الشيطان، فلم يبق سوى ساعة على مغادرة الحسين للحياة الدنيا، ولكنه ينادي "هل من ناصر ينصرني" ويرددها على شفتيه المباركتين! فمع من يوجه ابن الزهراء(ع) خطابه؟ واي جماعة يستنجدها؟ فلا أحد هنا!... فبقي الشيطان على جهله ـ وكذلك الاشقياء ـ لم يعرفوا، حيث كربلاء ارض بوسعة كل الاراضي وعاشوراء يوم بطول جميع الايام ... لم يعرفوا ان كربلاء بداية طريق وعاشوراء شروع حكاية ... ولكن حسيننا كان يعلم ان "عصر الخميني" على الابواب، وان نداء "هل من ناصر" هو عصر عاشوراء في اُذن الزمان يتردد صداه ليصل في عصر الخميني الى اسماع الكربلائيين الذين لم يدركوا كربلاء".
4 ـ وهذه الايام هي تلك الايام التي كان ابن رسول الله وفي ذلك العصر الحزين، كان يرى عاشوراء فيما لا يراه الاخرون باعتقادهم الخاطئ بان "الاعواد المنصوبة رفعت والدماء غُسلت"!... فان عصر الخميني قد جاء وتواصل الاصحاب الاوفياء لابي عبدالله، الذين وعد رسول الله (ص) بمجيئهم لسلمان، فخرقوا السقف الظلماني لنظام السلطة وليعرضوا طرحاً مستلاً من الاسلام المحمدي الاصيل.
5 ـ قالوا " من الافضل ان يذاع سرّ آخذي القلوب على لسان الاخرين" ومن هنا ومن لسان وقلم عدة مراسلين اميركان، اشارة لزاوية مما جرى في مسيرة الاربعين:
ـ فقد كتبت صحيفة "هافينغتون بوست" الاميركية: "ان قسماً من مراسم العزاء والتي تبهت أي مشاهد، رؤية الالاف من الخيم والتي جعلت كمطابخ مؤقتة من قبل القرويين على جادة المسيرة التي يقطعها الزائرون. فسيتوقف اصحاب المواكب هؤلاء المارة ليلتمسونهم قبول دعوتهم وهي تشمل مجموعة متكاملة من الخدمات الضرورية للامراء؛ فابتداءاً يقومون بتغسيل الاقدام وفركها، ومن ثم يقدمون الطعام الطازج اللذيذ، وبعد ذلك يطلبون منهم اخذ قسطاً من الراحة في اماكن مخصصة للنوم، بينما تُغسل الثياب وتكوى لتقدم للزائر بعد نهوضه من النوم، وكل ذلك مجانا بمنتهى اللطف والبشاشة".
ـ كما ويشير مراسل "هافينغتون بوست" الى الادارة الفريدة التي لا مثيل لها لحشود الناس في مسيرة الاربعين، ليكتب؛ "بعد زلزال هائيتي، تمكن الاتحاد العالمي للغذاء، وبدعم دولي وفي افضل وضع، من ايصال الطعام لخمسمائة شخص. فيما تمكن الجيش الاميركي باطلاق عمليات مع مصادر اخرى تابعة للوكالات الفدرالية وبالتالي اعلن انه خلال خمسة اشهر من هذه الكارثة الانسانية ايصال 9 ملايين و400 الف وجبة غذاء الى المفجوعين بالزلزال، وهنا قارنوا عدد الخمسين مليون وجبة طعام في كل يوم خلال مسيرة الاربعين والتي تعادل 700 مليون وجبة طعام للزائرين في هذه الفترة من الزيارة، وهي لم تجرى عن طريق اميركا والمؤسسات الخيرية العالمية وانما عن طريق عمال فقراء وفلاحين الذين يكدون على طول العام لينجحوا في ارضاء الزائرين".
ـ وفي تقرير آخر لاحد الصحفيين الغربيين نقرأ؛ "وحتى النظر الى هذه الجموع يحبس الانفاس. وما يعمق من التدقيق لهذا المشهد هو انه كلما الظروف الامنية في كربلاء تسوء، يتم ترغيب اشخاص اكثر مما يحرج التهديد الارهابي ليقفوا في مواجهته. من هنا فان هذه الزيارة ليست بالطقس الديني وانما آلية مقاومة معززة".
ـ لو كان العالم يعرف الحسين ورسالته وتضحيته لتمكن الجميع من تشخيص جذور داعش التاريخية ويذكروا منبع عقيدة هذه الجماعة في القتل والابادة. فلقرون مضت شهد العالم وحشية وجرائم منفذي واقعة كربلاء، والتي تلخصت في قتل الحسين(ع). انها مواجهة الظلام الدامس للنور الوضاء، مواجهة الفساد للفضيلة. ومن هنا كانت روح الحسين حية الى اليوم، وتوطدت وشائج حضوره جميع مناحي حياة الناس... ولم يتمكن اي حظر اعلامي من اطفاء نوره. فمن هو الحسين؟ فسؤال بهذه الخطورة يمكن ان يؤدي الى تغيير الاشخاص لدينهم، وبالامكان الاجابة على السؤال حين تذهب لزيارة الحسين(ع) مشياً على الاقدام".
ـ المنظر الروسي الشهير "الكساندر دوغين"، والذي اغتيلت ابنته الشهر الماضي بيد الصهاينة، كان قد زار العراق قبل سبع سنوات بعد سماعه لاخبار مسيرة الاربعين ليطلع عن قرب على هذه المسيرة العظيمة فانخرط في صفوف الزائرين، وكتب مشاهداته هكذا: "ان مجريات مسيرة الاربعين والتي تأخذ بعداً عالمياَ واسعاً يوماً بعد آخر، ويشترك فيها من جميع الاقوام والاديان، بينهم المسيحيين، هي مقدمة لتحول اساس في المقاس العالمي. وارى ان العالم المتحضر بايديولوجيته الليبرالية ورأسماله الفلكي قد اقترب اجله ولا مكسب له للبشرية سوى خلق الازمات، مما دفع بالانسانية للبحث عن انبعاثة معنوية والهية، نجدها بوضوح في الثورة الاسلامية و نهضة الامام الخميني".
ـ والجدير بالذكر وتهنأ النفس لسماعه، ان في مسيرة الاربعين لهذا العام مشاركة العديد من المسيحيين من مختلف الدول، وسبقوهم عدد من رجال الدين المسيحيين حاملين للصلبان. فوجه مراسل اعلامية غربية سؤالا لرجل دين مسيحي كان يتوكأ على صليب كعصا وهو يمشي هونا بين صفوف المسيرة؛ انك مسيحي فبأي دافع تشترك في هذه المسيرة؟ فكانت اجابة القس تنعش الروح وهو يبتسم في كلامه قائلا: "ان رسولنا يختلف الا اننا نشترك في ان امامنا الحسين هو واحد، انه حسيننا كذلك".
6 ـ ان نظرة الى الابعاد المتعددة لمسيرة الاربعين، فمن؛ الجانب المعرفي والديني والاخلاقي الى اباء الضيم والتضحية والاخوة والانسانية والتعاطف و... تعكس بوضوح ان مسيرة الاربعين قد تحولت الى هوية الاسلام المحمدي الاصيل.
ولنلق نظرة الى جوانب من توجيهات سماحة قائد الثورة قبل سنوات؛
"خلال مرحلة حين حاولت مجموعة من مصاصي الدماء بعيداً عن الانسانية قد صادروا اسم الاسلام ليملأوا العالم وباسم الدين التنفر والخوف وكل ما هو غير انساني ليكون سبب انتقاص للاسلام واشعار المسلمين بالحياء. فيما ينشر الخبر في العالم بان عشرين مليون شخص مسلم من شيعة وسنة، يملأهم العشق والتعاطف الانساني وفي قمة الجمال والزهو يشتركون الصفاء والصدق ليحضروا في كربلاء وفي حرم الحسين(ع) الامر الذي يهز العالم، وحينها يثار التساؤل في اذهان غير المسلمين، انه من هو هذا الحسين(ع) والذي جذب الجميع حوله والهين، لماذا لم يحدثنا احد عن هكذا اسلام، لطالما ينشر في الاعلام الغربي الاسلام الوهابي والسلفي البعيد عن الانسانية"؟!
... ويبقى في ديواننا نحن الذين لم نوفق للاشتراك حكاية الغصص والاحزان؛
لما عرف خلو اسمه من قوائم السفر
هاج فؤاده حسرة وقال غير مقدر