سوريا وانكشاف المأزق الأمريكي المتعاظم
عابد عبيد الزريعي
لم يمض وقت طويل على تصريح المبعوث الاممي الى سوريا والذي أكد فيه موقع ودور الرئيس السوري، حتى اجابت الناطقة باسم الخارجية الامريكية جنيفر بسكاي على سؤال حول الموقف الامريكي من تصريحات ديمستورا بالقول ان موقف الولايات المتحدة لم يتغير حول الرئيس الأسد ،متناغمة في ذلك مع تلميحات فرنسية تمضي في ذات الاتجاه. الأمر الذي استدعى ردا صارما وبصيرة ثاقبة على لسان مصدر رسمي من وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا. وقد تجلت الصرامة في تحديده للدور الذي تقوم به الدولتان الفرنسية والأمريكية في دعم المجموعات الارهابية وخروجهما عن المواثيق الدولية ورفض التدخل في الشأن السوري بصورة قطعية وواضحة. اما البصيرة الثاقبة فقد تجلت في اشارته للتحالف القائم بين الدولتين. قد يبدو الامر طبيعيا لاسيما وان هناك تناغما بين الموقفين الامريكي والفرنسي، لكن الجديد هو وسم هذا التناغم بالتحالف في هذه اللحظة بالذات ارتباطا بما يجري في العمق داخل الاتحاد الاوروبي من ناحية وبين الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية من ناحية ثانية. وفي تقديرنا ان تصريح الناطقة الرسمية جاء في سياق هذه التفاعلات اكثر من كونه موقفا يستحق الدفاع عنه حتى من الادارة الامريكية نفسها. فاذا كان من غير المنطقي ان لايطلق ديمستورا تصريحه دون الحصول على موافقة امريكية مسبقة ــــــ كما كتب د. تركي صقر ـ سوريا الان 16 / 2 / 2015 ــــــ فمن غير المتوقع ان يذهب يوم 17 فبراير الى مجلس الامن ليقول كلاما مناقضا لما صدر عنه قبل اقل من اسبوع.
ومن البديهي ان لا يحتاج المرء الى استخدام كل طاقاته الذهنية لكي يستنتج ان السؤال الذي تم طرحه على السيدة جنيفر كان قد اعد سلفا وهو من نوع الزلاجة الاعلامية التي يتم وضعها عمدا امام المتحدث لكي يقلع بالكلام. وغالبا ما يتم اللجوء الى هذه الطريقة عند الرغبة في طرح موقف غير رسمي وغير ملزم من ناحية ومن اجل استخدامه في المساومات والصراعات السياسية المباشرة او غير المباشرة من ناحية ثانية، ومع الجاهزية للتخلي عنه من غير ندم او طرح مبررات من ناحية ثالثة. يترتب على هذه الجزئية مجموعة من الاسئلة والقضايا حول تصريح الناطقة باسم الخارجية الامريكية تتلخص فيما يلي:
أولا :لماذا لم تخرج السيدة جنيفر كعادتها وهي تحمل ملفها في يدها وتقرأ نصا مكتوبا ؟ وهي الصيغة التي تم اتباعها تقريبا في كل المواقف الامريكية المعلنة تجاه سوريا خاصة تلك التي يعلنها الناطقون الرسميون. ألا يعني ذلك ان القصد من الموقف المعلن يندرج في خانة التداول من اجل المشاغبة والتشويش اكثر من كونه موقفا صلبا وحاسما؟
ثانيا : من هي الجهة المقصودة بالخطاب ؟ فإذا كان من الصحيح ان اسم الرئيس الأسد قد ورد في الشق الثاني من الاجابة وبشكل حاد، إلا انه من الصحيح ايضا ان الشق الاول الذي يشكل مرتكز الخطاب لم يكن موجها له او لسوريا ولكنه موجه الى جهة أخرى، نستطيع استنتاجها من خلال صيغة السؤال الزلاجة " ماهو الموقف من تصريحات ديمستورا”
ثالثا: اذا وضعنا في الاعتبار ان ديمستورا في تصريحه كان يتناغم مع الموقف الاوروبي الذي يقف على عتبة المراجعة لموقفه من ازمات المنطقة، فان المقصود بالكلام هو الاتحاد الاوروبي بالأساس. بما يعنيه ذلك بدء علامات الدخول في مرحلة المماحكة الاوربية الامريكية اشرنا الى ذلك في مقال سابق وفي هذه المماحكة لن تتردد الولايات المتحدة عن استخدام تكتيك اعادة انتاج بعض المواقف التي سبق وأطلقتها والتي تشكل تراجعا عن مواقف تالية لها وردت على لسان الرئيس الامريكي فيما يخص الوضع السوري.
رابعا : لقد كشفت الولايات المتحدة من خلال هذا الموقف عن مأزقها في العلاقة مع حلفائها اكثر من تصميمها عن مواصلة المعركة ضد سوريا وعلى ذات المواقف التي سبق وأطلقتها، لاسيما وإنها باتت تدرك ان تطور الواقع الميداني في سوريا لم يعد يسمح بمثل هذه المواقف. لنوضح:
بات من الجلي ان المعركتين الكبيرتين التي تشتبك فيهما الولايات المتحدة هما سوريا وأوكرانيا، وفي هاتين المعركتين استندت الى تحالف قوي مع الاتحاد الاوروبي. وهي تخوض هذا الاشتباك دفاعا عن موقعها في نظام الاحادية القطبية الذي تكرس على مدى العقود الثلاثة الماضية. وفي ظل صمود سوريا من ناحية وصلابة روسيا من ناحية ثانية، وانعكاس ذلك على الحلفاء الذين بدأ بعضهم يتحسس الاثمان التي سيدفعها نتيجة هذا التحالف بدأت تبرز قراءات جديدة من قبل دول اوروبا الوسطى وتحديدا المانيا التي دفعت وبقوة تجاه الوصول الى مخرج في العلاقة مع روسيا. وكانت وراء الدفع باتجاه المطالبة بإعادة قراءة استراتيجية الاتحاد تجاه ازمات المنطقة في سوريا وليبيا. ولأن الامر بات يعني اوروبا الوسطى التي باتت تبرز كقوة قائدة في اوروبا بما يعنيه ذلك من القول إن المركزية الألمانية – الفرنسية لم تعد على ذات القدر من الانسجام الذي يؤهلها للاستمرار في رسم مسار خيارات الساحة الأوروبية.
الادراك الامريكي لهذه الحقيقة قابله ادراك فرنسي بذات المستوى ترتب عليه توافق الطرفين حول بعض الملفات التي باتت تستخدم كأدوات ضغط داخل الاتحاد الاوربي وهنا نجد تفسيرا للتطابق بين الموقفين الامريكي والفرنسي في الموقف من اوكرانيا ومن سوريا حيث بات كل منهما يستقوي بالأخر فأحدهما بات في موقع الدفاع عن نظام الاحادية القطبية المنهار والآخر يدافع عن موقعه المتلاشي في القارة الاوربية وفي ذات الوقت يسدد فواتير الدعم المالي لإمارة قطر. ذلك يقود الى استنتاج مفاده ان امريكيا باتت تخوض معارك تراجعها وانكفائها عن قيادة نظام الاحادية القطبية المنهار حتى داخل جبهة حلفائها التقليديين الذين باتوا يتلمسون وبغض النظر عن درجات التلمس ميلاد عالم جديد.
سوريا وانكشاف المأزق الأمريكي المتعاظم المزيد.