kayhan.ir

رمز الخبر: 15352
تأريخ النشر : 2015February18 - 20:57

إحياء ميت

هاشم عبدالعزيز

دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني إلى اجتماع فوري للجنة الرباعية في الشرق الأوسط في ميونيخ على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن الذي انعقد منذ أيام قليلة بهدف "إحياء عملية السلام” بين ال”إسرائيليين” والفلسطينيين.

وقالت الوزيرة الأوروبية: "نحتاج إلى إعادة تفكير جماعية في منظورنا الشامل للصراع” وأضافت: "ستعد الرباعية لاستئناف عملية السلام بما في ذلك التواصل المنظم والمباشر مع الدول العربية”.

في النظرة العامة تبدو الوزيرة الأوروبية بنية حسنة وعلى قدر كبير من الاهتمام بهذه القضية التي تهم أمن واستقرار وسلام منطقة الشرق الأوسط وعالمنا بأسره.

ولكن في القراءة الخاصة كانت الوزيرة الأوروبية لا تقدم مبادرة لتحريك هذه العملية قدر ما هي محاولة لتخفيف الغضب الإسرائيلي من الأوروبيين لاعترافهم بالدولة الفلسطينية والذي أُعلن رسمياً وبرلمانياً من قبل عدد من الدول الأوروبية من جانب، ومن جانب آخر كانت الوزيرة الأوروبية تتحدث بلسان أوروبي ولكن بلغة أمريكية بعد أن أوصلت هذه الأخيرة الأمور إلى واجهة الجدار ولم يعد بالمقدور لديها استمرار المفاوضات العبثية التي دارت على حقوق الشعب الفلسطيني جراء الابتزاز الصهيوني والضغوط الأمريكية تحت مسمى التسوية السلمية ولسنين غير قليلة.

لقد كانت الرباعية منذ قيامها مجرد غطاء تستخدمه الإدارة الأمريكية عند حاجتها إعادة تحفيز سياستها الهادفة تطويع الموقف الفلسطيني لواقع الاحتلال وهذا تجلى بقلب الحقائق ومنها أن الاحتلال هو الذي يقدم المطالب ويضع الشروط فيما على الفلسطينيين التنازل ومن الأدلة أن المفاوضات تحولت إلى عملية لشراء الوقت، استنفدته "إسرائيل” في النيل من الفلسطينيين في حياتهم ووجودهم وحقوقهم وكانت قاطرة المشاريع الاستيطانية تلتهم الأراضي الفلسطينية.

لقد كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية بعد مؤتمر مدريد للسلام استفردت بهذه العملية وبهذه المنطقة، بهدف تطويع الموقف العربي عامة والفلسطيني خاصة لواقع الاحتلال، وهي حققت "إنجازات” من إرث المصاعب والعقبات ومنها بقاء المفاوضات في الدوامة العبثية.

والواقع أن ما جرى لا يطرح الدعوة إلى مؤتمر جديد للسلام يواجه هذه القضية على قاعدة القرارات والمواثيق والمبادئ للشرعية الدولية وحسب، بل إن الخروج إلى التسوية الحقيقية إحقاق الحقوق للشعب الفلسطيني في أرضه وحريته واستقلاله وسيادته يمر بالتحرر من الوصاية الأمريكية والخروج من نفق ودوامة المفاوضات العبثية التدميرية للسلام.

هنا يمكن القول إن الرباعية لم تكن في نوم دائم فقط بل إن دعوة الوزيرة الأوروبية أقرب إلى محاولة إحياء ميت منذ ولادته.

وهذا ما كان في وضع الرباعية التي تحولت إلى حالة اسمية يتردد إعلامياً لا بأعمالها بل "للتذكير” بوجودها إيهاماً من أن العملية المستفردة أمريكياً تجري برعاية دولية.

للإنصاف، كان للرباعية إنجاز بات معروفاً بخطة خريطة الطريق. أما "الإنجاز” الثاني للرباعية فقد تمثل بمجيء توني بلير إلى إدارتها بسجل ارتباطه بغزو أفغانستان والعراق والتي قضت على حياته السياسية في بلده بريطانيا وبعلاقته الوثيقة بالكيان الصهيوني وهو قاد مباشرة مواجهة باسم الرباعية ضد الفلسطينيين ليس في مقاومتهم للاحتلال وحسب بل ومفاوضاتهم وحياتهم، وهو صاحب الفكرة الجهنمية وباسم الرباعية لما بات جريمة الحصار الصهيوني لغزة في أفظع حروب الإبادة والحروب ضد الإنسانية.

من هنا يمكن القول ان محاولة ترميم الرباعية لم يعد ذا جدوى ولأسباب عدة.

أولاً: أن أطرافاً من اللجنة كما روسيا باتت تجاهر على أن الحل للأزمة يجري على قاعدة قرارات الشرعية الدولية فيما الاتحاد الأوروبي يشهد خروجاً من دوامة المفاوضات العبثية من خلال الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

والثاني: أن محاولة شراء الموقف العربي بربط العودة للمفاوضات بالتواصل مع الدول العربية لا يغير من حقيقة تجاهل الحقوق والإرادة العربية وهي سياسة زادت في وطأتها خلال وجود الرباعية عندما خاطبت العرب دولاً وشعوباً بالأعمال قبل الأقوال بأن لا شأن لهم في شؤونهم وبالذات القضية الفلسطينية.

أما الثالث: فإن إيصال ما يسمى بالتسوية إلى حافة الجدار كان نتاج الرفض الصهيوني للحقوق الفلسطينية ولمتطلبات السلام المنشود ونتيجة للسياسة الأمريكية التي تقوم على دعم وحماية الاحتلال وهي كما يبدو ركنت إلى أن الأمور ستمضي باتجاه الرغبة الصهيونية، وقد يكون الدور السلبي للرباعية عدم الوقوف أمام ما آلت إليه الأمور في شأن التسوية واحداً من حوافز سياسة الازدواج، والخلاصة لا أحد يرغب في مواجهة مع الولايات المتحدة لكن لا أحد يقبل استمرار الأوضاع التي ترتبت عن المفاوضات العبثية وما بات حاضراً في المواجهة تزمين إنهاء الاحتلال وإزالة الاستيطان من الأراضي الفلسطينية، فهل بمقدور الرباعية أن تعود لمواجهة هذه الحقيقة الفلسطينية والعربية والإنسانية؟.