الثورة اليمنية وتحديات اللحظة الراهنة
عابد عبيد الزريعي
هل يشكل اليمن النسخة الاكثر اكتمالا في الثورات الشعبية على الانظمة العربية الوظيفية؟ الاجابة على هذا السؤال تستدعي العودة الى بداية المسلسل الذي مثلت اليمن احدى حلقاته الأكثر تميزا وانضباطا، ومبعث التميز والانضباط يعود بالأساس الى مسألتين:
أولا: كثافة مشاركة المرأة اليمنية في المظاهرات الامر الذي تجاوز حتى اكثر المجتمعات العربية ادعاءا بحرية المرأة وممارستها للسياسة، وهو امر يؤكد عمق الوعي الشعبي للتحرك لإسقاط نظام علي عبدالله صالح.
ثانيا: الانضباط السلمي للجماهير المنتفضة على الرغم من توفر السلاح وبكميات غير معتادة في اي مجتمع من المجتمعات بما يعكس اصرار شعبيا على انجاح الثورة بعيدا عن العنف وبما يقطع على السلطة فرصة اللجوء للسلاح.
ثالثا: حالة توازن القوى بين قوى الثورة وقوى النظام وهي مسألة تعود في احد جوانبها الى التركيبة القبلية للمجتمع اليمني، وقد سمح هذا التوازن لعلي عبدالله صالح ان يخرج بشرف قياسا لما حصل للمخلوعين بنعلي ومبارك.
وإذا كانت النقطة الثالثة قد سمحت بانتهاء فصل الثورة اليمنية الاول بصيغة يمكن ادراجها تحت عنوان لا غالب ولا مغلوب اذا استثنينا الجراح الشخصية فإنها ولدت كذلك مدخلا للمناورة والمداورة السياسية وفتحت نافذة لدخول مجلس التعاون الحليجي للساحة اليمنية بوصفه صاحب الحل المعجزة لإنهاء الصراع في اليمن وبما يضمن عدم ذهابه بعيدا عن رقابتها. لكنها ومن زاوية ثانية لم تكن قادرة على اطفاء كل الجمرات التي تتأجج ببطء تحت الرماد المنطفئ والتي تنتظر اول هبة ريح لتعاود اشتعالها مؤسسة بذلك الفصل الثاني من الحراك الشعبي اليمني باليات وأدوات وأهداف وقوى دفع غير تلك التي توفرت في بداية الاحداث.
ومبعث التحرك الجديد او الدخول في الفصل الثاني يمكن ان ننظر اليه من الزاوية التي نظرت منها قوى المركز الامبريالي لتلك الثورات الشعبية. حيث استشعرت تلك القوى الخطر في امكانية ان تلتقي قوى الثورة الشعبية على الانظمة الوظيفية مع قوى محور المقاومة بما يعنيه ذلك من قلب الطاولة في وجه القوى الامبريالية الغربية. ولمواجهة امكانية حدوث هذه المعضلة فقد تحركت باتجاهين:
الأول: دفع الثورات الشعبية للانكفاء على ذاتها وإلهائها في مشاكلها الداخلية وبهدف اعادة انتاج الانظمة التبعية بلون وثوب جديدين.
الثاني: الاستفادة من حالة الفوران الشعبي وتأثيراتها النفسية للانقضاض على محور المقاومة وتحديدا في حلقته الوسطى سوريا. لجر المحور بأكمله بعد تحطيمه الى حلقة التبعية الجديدة.
وبالقدر الذي كانت القوى الامبريالية تتقدم على المحور الاول فإنها اصطدمت بمقاومة الشعب السوري الباسلة على المحور الثاني وهي المقاومة التي انعكست وارتدت لتبدأ حلقات المحور الاول بالتفلت اولا وبشكل نسبي في مصر من خلال سقوط الأخوان بوصفهم احد ادوات المراهنة. وثانيا في اليمن وبطريقة اكثر زخما وإصرارا. يمكن للمرء ان يسجل فروقا عديدة بين الحالتين المصرية واليمنية لكن هناك فرقا اساسيا لا يمكن التغاضي عنه. ففي الوقت الذي تحاول مصر ان تناور وتداور حول مسألة التبعية فان التجربة اليمنية ومن غير تردد صوبت ارادتها الى رأسها مباشرة ومن غير تردد. واختارت السير في الطريق التي لا ترغبها القوى الامبريالية وهو اللقاء مع محور المقاومة والممانعة بكل ما يعنيه ذلك من تحولات تاريخية في المنطقة ترتبط في جزء مهم منها بموقع اليمن الجيوستراتيجي.
والذي لاشك فيه ان عديد القوى الاقليمية والدولية ستعمل جاهدة على منع الوصول الى هذا المستوى من التحول وسيتم العمل على الاثارة الدائمة والمتواصلة لأربعة تحديات في سياق المحاولة لإجهاض الثورة اليمنية نرتبها بغض النظر عن الاهمية فيما يلي:
أولا : تحدي النزوع الانفصالي للجنوب الذي يجد مبرره في الاستناد الى مظالم الوحدة التي اتخذت طابعا الحاقيا سافرا وقهريا.
ثانيا: التحدي الاقتصادي الذي يتجاوز حدود الخراب الذي احدثته العقود الماضية الى ما يمكن ان يتعرض له اليمن من ضغوط اقتصادية من قوى اقليمية ودولية معروفة.
ثالثا: تحدي الارهاب الذي عشش في اليمن ليس بفعل قدراته الذاتية فقط ولكن بدعم ذات القوى التي ستشتغل على التحديين السابقين.
رابعا: تحدي مفردات الخطاب الطائفي الذي تقوم ذات القوى بالترويج لها في محاولة منها لمنع الاتفاق بين مختلف القوى وتمزيق الصف الوطني.
وفي مواجهة هذه التحديات هناك مسألتان تشكلان ضمانة لإدارة الصراع ومعالجة التحديات بحنكة وقدرة. تتجسد الاولي في قوة الدفع المتمثلة في تراث اليمن العريق وثقافة المقاومة والمجالدة والحكمة التي يتحلى بها الشعب اليمني، وقوة الجذب متمثلة في الادراك الواعي لمعنى وقيمة الاهداف التي تمضي اليمن نحوها والتي حلمت بها طوال سنوات الظلم والقهر. بينما تتجسد الثانية في اللحظة التاريخية التي تدير الثورة اليمنية الصراع في نطاقها وهي لحظة تحولات كبرى على كافة الصعد الاقليمية والدولية، بما يعنيه ذلك ان الثورة اليمنية تمضي في اتجاه التاريخ بعكس كل من يحاول التصدي لها والوقوف في طريقها.