kayhan.ir

رمز الخبر: 151134
تأريخ النشر : 2022May25 - 20:20

 

 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب:33).

من أهل البيت(ع)، الإمام جعفر بن محمَّد الصادق(ع)، الذي يصادف في اليوم، الخامس والعشرون من شهر شوَّال، ذكرى وفاته؛ هذا الإمام الذي عاش حياته ليملأ عقول المسلمين وغير المسلمين علماً يستطيعون من خلاله أن يفهموا الإسلام في بعده الحضاري، وفي نظامه الأخلاقي، وفي خطوطه الاجتماعية، وفي علاقاته الإنسانية، وفي تشريعاته التي تنطلق من خلال ما يصلحهم في ما أمر الله به، وفي ما يفسدهم في ما نهى الله عنه. كما أنّه(ع) أكَّد للنَّاس كلِّهم، ولا سيّما للمسلمين، أن يأخذوا بأسباب الحرية التي تنطلق من داخل الإنسان، من إرادته القوية الواعية التي يملك معها أن يقول "نعم" إذا أُلقي إليه اقتراحٌ يتناسب مع الحق، وأن يقول "لا" إذا كان الاقتراح يتناسب مع الباطل، لأنَّ الحرية في الإسلام تتمثَّل بأن يكون الإنسان حرّاً أمام العالم كلّه وعبداً لله وحده، فلا عبودية إلاّ لله، حتى إنّنا في التشهّد أثناء الصلاة، عندما نذكر رسول الله(ص)، فإننا نقول: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، وقد جاء في حديث الإمام عليّ(ع): «كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً».

 

القوّة مصدر العزّة

وكان الإمام الصَّادق(ع) يريد للمسلمين أن يكونوا الأعزّاء في كلِّ مواقعهم أمام الآخرين، فلا يذلّ المسلم نفسه لأيّ إنسان آخر. وهذا ما جاء في تفسيره(ع) لقوله تعالى: {وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(المنافقون:8)، قال(ع): «إن الله فوّض إلى المؤمن أموره كلَّها ـ فلك أن تتصرَّف في كلِّ أمورك بما تحبّ فيما أحلّه الله لك ـ ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً»، لكنّك لست حراً في أن تذلّ نفسك أمام أيّ إنسان أو دولة أو حزبٍ أو جماعة، لأنّ عزَّة المؤمن هي من عزَّة الله وعزَّة رسوله، ولأنّ عزّة المؤمن تمتدُّ إلى عزّة المجتمع. كما أن إذلال نفسه يمتد إلى إذلال المجتمع، ولم يتحدَّث الله تعالى عن الذلّ إلاّ بالنسبة إلى الوالدين، لا الذل الذي يسقط إنسانية الإنسان، ولكن ذلّ الرحمة، بأن يتواضع لهما ويذلّ نفسه لهما رحمةً بهما وإحساناً إليهما.

وكان الإمام الصَّادق(ع) يؤكِّد للمسلمين جميعاً أن يكونوا الأحرار والأعزَّة والأقوياء، وأن يأخذوا، كما أراد لهم الله بأسباب القوة، لأنّ القوة هي التي تؤكِّد العزّة، كما جاء في قوله تعالى: {يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا}(النساء:139).

 

الإمام الصَّادق(ع) وثقافة الحوار

وكان الإمام الصَّادق(ع) الإنسان المنفتح على كلِّ الثقافات والانتماءات، وقد تحدَّثت كتب السَّيرة، أنّه كان يجلس في بيت الله الحرام، فيجتمع إليه الزنادقة الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا باليوم الآخر، وكانوا يطرحون عليه أفكارهم وشبهاتهم، وكان صدره يتسع لكل ذلك، ولا يتعقّد من كلماتهم السلبية التي يتجرأون بها على تشريعات الله. ولذلك كان(ع) إمام الحوار، فكان يحاور الزنادقة، ويحاور الذين ينكرون الإمامة، وكان يراقب الحركة الثقافية في الجسم الإسلاميّ، لمواجهة أيِّ فكرٍ يبتعد عن الإسلام، بالحوار والجدال بالَّتي هي أحسن.

 

الصّادق(ع) مدرسة في العلم والوحدة

وكانت مدرسته(ع) هي المدرسة التي امتدَّت في حياة كلِّ المسلمين، سواء ممن يلتزمون إمامته أو ممّن لا يلتزمونها، حتى عدّ من رواة حديثه والذين تتلمذوا عليه وأخذوا من علمه، أربعة آلاف شخص، وكان من بين تلامذته إمام المذهب المالكي مالك بن أنس، وإمام المذهب الحنفي أبو حنيفة النعمان الذي كان يقول: «لولا السنتان لهلك النعمان». وكان المنصور العباسي معقّداً من هذا الامتداد الروحيّ والثقافيّ والإنسانيّ للإمام الصادق(ع) عند المسلمين، فطلب من أبي حنيفة أن يحضّر للإمام الصَّادق مسائل شديدة يطرحها عليه حتّى يحرجه، فحضّر له أربعين ألف مسألة أجاب عنها كلّها مع تبيان اختلاف الآراء حولها. وروى أحد المؤرِّخين قائلاَ: "دخلت إلى مسجد الكوفة، فرأيت تسعمائة شيخ، كلٌ يقول: حدّثني جعفر بن محمد".

وكان الإمام الصَّادق(ع) يفتح بيته لكلِّ النَّاس الّذين يقصدونه بأسئلتهم، وكان يجيب الجاهل والعالم، كما كان يؤكِّد دائماً ضرورة أن يفتح العلماء بيوتهم وعقولهم للناس كافةً، لأنَّ العلم هو أمانة الله عند العالِم، وعليه أن يؤدِّي الأمانة إلى أهلها، وقد روى عن رسول الله(ص) أنه قال: «إذا ظهرت البدع في أمّتي، فيُظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله».

وقد عمل الإمام الصادق(ع) على تأكيد الوحدة الإسلامية في المجتمع، فكان يأمر شيعته بأن يصلّوا جماعة المسلمين، وأن يعودوا مرضاهم، وأن يشيّعوا جنائزهم، حتى يقول الناس: "رحم الله جعفر بن محمد فلقد أدّب أصحابه"، وكان ينكر على من يتحدَّث عن الصحابة بشكلٍ سلبيّ، وكان يقول: «ما أيسر ما رضي الناس به منكم، كفّوا ألسنتكم عنهم». وكان(ع) يوصي شيعته بالوحدة والتعارف والتعاون، وأن يعود الغنيُّ الفقير، وأن يعطف القويُّ على الضَّعيف.

لقد كان الإمام الصَّادق(ع) قمةً في العلم والتقوى والاستقامة والفكر الحضاري، ويروى أنّه هو من أسس لعلم الكيمياء الذي أخذه عنه تلميذه جابر بن حيان.

لذلك، علينا أن ندرس كلَّ تراث الإمام الصادق(ع) الذي تحدَّث عن كلِّ ما يفيد الناس ويرفع مستواهم، فهكذا تكون الموالاة، لأنّ الموالاة لأئمَّة أهل البيت(ع) لا تكون بأن نتذكّرهم على أساس استحضار مآسيهم فحسب، بل أن نعمل على استحضار علومهم، وقد جاء عنه(ع): «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا»، قيل: كيف نحيي أمركم؟ قال(ع): «يتعلّم علومنا ويعلّمها النّاس، فإنّ النّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»، أن تنقلوا تراثنا وعلومنا وأساليبنا الحضارية الإنسانية للنَّاس كلِّهم، وبذلك يمكن للتشيع أن ينطلق ليكون حركةً حضاريةً منفتحةً على الإنسان والعالم كلّه، حركةً تؤكّد الحرية والعزَّة والعلم والمعرفة والقوَّة.

إنّنا نعيش في مرحلةٍ يواجَهُ المسلمون بالحروب الثقافية والإعلامية، وعلينا أن نعمل لنقدّم تراث أهل البيت(ع) الحضاريّ، ليعرف العالم أصالة الإسلام من خلال هذا التّراث، انطلاقاً من كتاب الله، وسنّة نبيه، وكلمات عليّ في نهج البلاغة، وكلمات الأئمة من أهل البيت(ع).

 

 

 

نعزي العالم الاسلامي بذكرى استشهاد قمةً العلم والتقوى والفكر الحضاري الامام جعفر الصادق "ع"

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: