ما بين الثورة الإسلامية في إيران وحراك البلدان العربية
ياسمين مصطفى
بين الثورة الإسلامية في إيران التي هزت العالم بدءاً بخلع نظام الشاه محمد رضا بهلوي وليس إنتهاءاً برفض الشعب الإيراني الخضوع للإستكبار العالمي المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية..وبين ما عُرف في العام ألفين وإحدى عشر بالثورات العربية هوةٌ عميقة وشاسعة..
المقارنة بين التجربتين تُولِّدُ في الذهن سؤالاً جوهرياً..لماذا فشلت ثورات العرب في تحقيق أهدافها كافة في حين إنتصرت الجمهورية الإسلامية في إيران؟ في ما يلي عدد من العوامل الكفيلة بالإجابة عن السؤال:
القيادة الحكيمة:
"الشعب الذي لا هادي له يعجز عن فعل أي شيء”، هذه إحدى مقولات قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني، ولعل في طياتها ما يجيب عن السؤال المطروح..
الدكتور محسن صالح المتخصص في الشأن الإقليمي يرى في حديث لموقع العهد أن شخصية الإمام الخميني فتحت مسالك في العقل العربي والإسلامي نتيجة لتوحد القيادة مع مصالح وثقافة الشعب الإيراني بحيث أن الجمهور وجد في الإمام الشخصية القيادية التي يطمح لها كما توفَرَ المشروع في ذهن القيادة بما ينسجم مع ثقافة النسيج الإجتماعي الايراني..
في المقابل، يوضح الدكتور صالح أن الحراكات التي قامت في بعض الدول العربية مؤخراً إفتقرت إلى قيادة عظمى حكيمة كما لم تتوفر لديها القيادات القادرة على أن تعقل وتسير بخطى طروحات الإمام الخميني نحو التنفيذ بما ينسجم مع تطلعات الجماهير..
هذه الطروحات التي حملت مشروع أولوياتٍ، ترجمها الإمام في الموقف من الإستكبار العالمي إضافة إلى التحديات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وصولاً إلى إحياء ثقافة الذات بعيداً عن الأنظمة الغربية الطاغية..
بين الرأسمالية والإشتراكية..جمهوريَّة إسلاميَّة
اخذت الثورة في إيران لبوس الثقافة الإسلامية الأصيلة المنطلقة من سنة النبي والقرآن والائمة الاطهار ولم يكن في هذا الخط ما يساير في القضايا الكبرى المحقة أو يساوم في حقوق تتعلق بالعدالة..هذا ما قاله الإمام حين سُئل ذات مرة عن الفرق بين الثورة التي أقامها وبين ثورة مصدَّق التي حصلت عام 1953..
ففي حين أراد الشاه إقامة "الثورة البيضاء” والتي تعطي مسؤولين غربيين حصانة ضد المحاكمات، قلب الإمام الخميني المفاهيم، بحسب الدكتور صالح، فقد إستطاع مفجر الثورة الاسلامية الايرانية أن يقهر الغرب حتى بات إستقلال الدولة يجنبها أن تكون مطية أو تكون في خدمة الإستكبار وبمعنى آخر يكون لها سلطتها الدينية والثقافية والسياسية والتشريعية الخاصة بها والتي تنسجم مع إرادة الشعب ومصالحه.
ثورات جوع دون قائد
يؤكد صالح انم ما جرى في مصر عزز الغلبة لمصالح الغرب وعليه لم تجرؤ قيادة الرئيس محمد مرسي بعد ثورة يناير أن تنسجم مع مشروع تحرير فلسطين بل على العكس تماماً، قام بإغلاق معبر رفح كما دمر الأنفاق التي تؤدي إلى غزة، هذا غير علاقته الممتازة بقطر وإسرائيل عبر إبقائه على إتفاقية كامب دايفيد..
اما في تونس فقد شكل إنتخاب الباجي قايد السبسي رئيساً و هو الذي كان رئيسا للوزراء في عهد زين العابدين بن علي نكسة للحراك الشعبي ما أعاد البلاد إلى ما قبل احداث سيدي بو زيد، الأمر الذي يراه صالح بمثابة فاجعة. فتونس اليوم تعتمد سياسة الحياد إقليمياً ودولياً لأجل مصالح داخلية بعيدة عن رسم دولة تحوي مؤسسات تحاكم القضايا العامة للعالم الإسلامي..وعليه يعتقد الخبير في الشأن الإقليمي أن الرئاسة الحالية ستعيد النظام السابق ولكن بوجوه جديدة..وفي هذا السياق نستحضر كلاما للكاتب المصري محمد حسنين هيكل قاله في حوار مع قناة الجزيرة حول مواصفات الثورة الناجحة حيث يعتبر انه "لا بد للثورة من أن ترفض التدخل الأجنبي ولا بد لها أن تحتفظ بنقائها ويجب عليها أن تحصل على فرصة للنضج حتى لا تتحول إلى حرب أهلية وهي قبل كل شي نتيجة تراكمية لأحداث كثيرة...وليست مجرد "غضبة كرامة”.
"علينا أن نقنع أنفسنا بأننا بشرٌ أيضاً، وأننا موجودون في هذه الدنيا أيضاً، وأن الشرق مكانٌ أيضاً، وأن الغرب ليس كل الأرض”.. بضعُ كلمات وضع فيها روح الله الخميني بعضا من فكره الذي أدى إلى إنتصار الثورة..يكفي لقيادات الدول العربية والإسلامية أن تستشف منها العِبَر..وإلا تفعل تكون قد حكمَت على شعوبها بعار الخضوع للقوى المستكبرة ولصوص البحر والبر.. كما قال الإمام الراحل..