kayhan.ir

رمز الخبر: 147300
تأريخ النشر : 2022March01 - 19:47

 

 

 د. جمال زهران

ستون عاماً (1962 – 2022)، بين واقعتين تكشفان عن محطات تاريخية لتغيير النظام العالمي، بالتفاصيل نفسها والبيئة المحيطة، واستهداف الأمن القومي للدول العظمى. ففي الأولى الشهيرة بأزمة خليج الخنازير وهي في الأصل الأزمة الكوبية، حيث تقع دولة كوبا في المربع الشرقي الجنوبي للولايات المتحدة، أيّ على بُعد أميال من الحدود الأميركية، قام الاتحاد السوفياتي الذي أكد وجوده كقطب دولي منافس للولايات المتحدة بعد تزعّمها لهذا النظام بعد زوال النظام القديم ورموزه العديدة. إلا أنّ أميركا رفضت الاعتراف بذلك، وأصرّت على انفرادها بالعالم والهيمنة عليه. في الوقت ذاته الذي سعى الاتحاد السوفياتي لكي يثبت لأميركا وجوده وتنافسه، وفي وقائع مثل الحرب الكورية، وفي دعم توليد الصين الشعبية، أو في تكوين حلف وارسو (الذراع العسكري)، أو تكوين منظمة الكوميكون (الذراع الاقتصادي) للكتلة الشرقية بزعامته. ثم جاءت حرب 1956 بالعدوان الثلاثي على مصر، لتخرج القوى الدولية القديمة (إنجلترا – فرنسا) من ساحة النظام الدولي، وبتأكيد الإنذار السوفياتي الشهير، حاول الاتحاد السوفياتي تأكيد وجوده منافساً للولايات المتحدة في إعادة تشكيل النظام الدولي. ومع ذلك أرادت الولايات المتحدة تقزيمه، والتعامل معه كقوة درجة ثانية/ تليه في الترتيب! فماذا فعل الاتحاد السوفياتي في هذا الشأن؟! وهو الذي أنتج الصاروخ العابر للقارات في منتصف الخمسينيات؟! لذلك كانت حصيلة التفكير السوفياتي، هي الذهاب إلى حزام الأمن القومي الأميركي وإعلان تهديدهم للأميركيين. فاستغلّ الاتحاد السوفياتي اندلاع الثورة الكوبية بزعامة كاسترو وإعلانه تبني الأيديولوجية الشيوعية، فسارع الاتحاد بدعمه وتأييده، بل وصل الأمر إلى نصب قواعد صواريخ تجاه الولايات المتحدة على الأراضي الكوبية. هنا شعرت الولايات المتحدة بالخطر المحدق بأمنها القومي وشعبها، وهدّدت وتوعّدت وطالبت بفكّ الصواريخ ورحيلها. وقامت الولايات المتحدة بمحاصرة كوبا التي تبدو كجزيرة في المحيط الأطلنطي، ومن كلّ جانب، عرف بحصار أميركا لخليج الخنازير الفاصل بين أميركا وكوبا، وهدّدت باستخدام القنبلة النووية، إن لم تتمّ إزالة الصواريخ السوفياتية!

فماذا كانت النتيجة؟! تركّزت في الحوار والتفاوض، حتى تمّ التوصل إلى اتفاق، بمقتضاه، تظلّ كوبا تحت الرعاية السوفياتية دون محاولة أميركا تغيير نظامها الاشتراكيّ، ويتم تفكيك الصواريخ وإعادة توجيهها في الجهة الأخرى بدلاً من توجيهها قبالة القلب الأميركي، مع تخفيض عددها. ولكن النتيجة الكبرى هي القبول الأميركي لتنافس دولي مع الاتحاد السوفياتي، أيّ رضوخاً أميركياً بالاعتراف الرسمي بالاتحاد السوفياتي، كقطب دولي منافس للولايات المتحدة، وأصبح النظام الدولي ثنائيّ القطبيّة رسمياً. وأصبحت سمة هذا النظام الجديد هو المنافسة والحرب الباردة والقبول بعدم المواجهة المباشرة وتفاديها، والقبول بفكرة «الوكلاء» في إدارة الأزمات الدولية، أو الإقليمية المعروفة بـ «By Proxy».

أما «أزمة أوكرانيا»، الحالية التي بدأت صامتة، حتى تفجّرت مع بدايات العام الحالي (2022)، فهي تتلخص في إعلان رئيس أوكرانيا (فولوديمير زيلينسكي)، عن إنتاج القنبلة النووية، وفقاً لإعلان مع الغرب يُعرف بـ «زيلينسكي»، يقضي بإعادة الوضعية النووية لأوكرانيا، والانضمام إلى حلف الناتو! وهي أزمة في الأصل، فجّرتها أميركا وبدعم أوروبا، بمساندة انقلاب الرئيس الحالي (الممثل المغمور) والذي قبل ممارسة الدور العميل للغرب، وألعوبة في أيديهم. وعلى الرغم من أنّ قرارات روسيا العظمى كانت حاسمة بضمّ جزيرة القرم فوراً إليها، ورفض تحدي الغرب وذلك عام 2014. واستمرت الأوضاع صامتة حتى تفجّرت مؤخراً بتصريحات الرئيس الأوكراني، وإعلان أميركا وأوروبا الدعم والمساندة له، وإصرارهم على تنفيذ الإعلان (باستعادة الوضعية النووية لأوكرانيا)، وضمّها إلى حلف الناتو، الأمر الذي يهدّد الأمن القومي الروسي مباشرة، مثلما حدث عندما نُصبت الصواريخ السوفياتية مباشرة وعلى مقربة من قلب أميركا في (61/1962).

فطالبت روسيا، بإلغاء إعلان (زيلينسكي)، ورفض استعادة إنتاج أوكرانيا للسلاح النووي، ورفض الانضمام إلى حلف الناتو، وبالتالي رفض الوجود العسكري الأوروبي في أوكرانيا، وعلى الحدود الروسية. وعندما شعرت وأدركت روسيا، استحالة التفاوض والوصول إلى حلّ سلمي، فكانت الخطوات المتسارعة بفصل إقليمي (لوغانسك – دونيتسك) عن أوكرانيا والاعتراف الروسي بهما، ثم التدخل العسكري لحمايتهما من العدوان الأوكراني مدعوماً من الغرب الأوروبي، والأميركي، وامتدّ التدخل حتى السيطرة الكاملة على جميع أراضي أوكرانيا وإسقاط العاصمة «كييف»، والأيام المقبلة ستكشف تفاصيل ما جرى ويجري.

إلا أنّ ما يجب الوقوف عنده هو: سعي أوروبا وأميركا لتقزيم روسيا وقبولها دولة عادية، إلا أنّ روسيا رفضت ذلك، وأكدت تشاركها ومنافستها بذاتها وبالتعاون مع الصين، في إدارة العالم ونظامه الدولي، مثلما حدث في أزمة خليج الخنازير في عام 1962. فالواضح أنّ روسيا كانت ولا تزال تدافع عن أمنها القومي، وعدم الاستهانة بها، وسعياً نحو استعادة المجد.

إنّ استهانة الغرب (أميركا وأوروبا) بالمنافسين الدوليين، والاستمرار في تهديد الأمن القومي لدول عظمى كروسيا والصين، مآله الفشل كما رأينا، وما يحدث في أوكرانيا هو فتح لفصل جديد في كتاب «نظام دولي جديد» متعدّد الأقطاب (أميركا وأوروبا + روسيا العظمى + الصين الكبرى).

ولنتابع ما يجري باهتمام، لانعكاساته الخطيرة على العالم، وعلى إقليمنا العربي على وجه الخصوص.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: