kayhan.ir

رمز الخبر: 145730
تأريخ النشر : 2022January31 - 20:30

أم ستُعَمِّق أزماتها الأمنيّة والعسكريّة.. وكيف سيكون “الرّد الحوثي” على هذه الزّيارة “التاريخيّة”؟

عبد الباري عطوان

يتقاطر المسؤولون الإسرائيليّون على أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربيّة المتحدة بكثافةٍ هذه الأيّام، فبعد الزّيارة التي قام بها نفتالي بينيت رئيس الوزراء الشّهر الماضي، ها هو رئيس الكيان الإسرائيلي إسحق هرتزوغ يهبط بطائرته التي عبَرت الأجواء السعوديّة في مطار المدينة نفسها في زيارةٍ رسميّة ويحظى باستِقبالٍ حافِل من قِبَل مُضيفيه وعلى رأسهم الشيخ محمد بن زايد، وليّ العهد، ونائب القائد الأعلى للقوّات المسلّحة.

هذه الزيارة التي وصفها رئيس الكيان بـ”التاريخيّة”، تأتي بعد أيّامٍ معدودة من تعرّض دولة الإمارات لقَصفٍ بالصّواريخ الباليستيّة والطّائرات المُسيّرة القادمة من اليمن فشلت المنظومات الدفاعيّة، الأرضيّة والجويّة في التصدّي لمُعظمها، ولهذا حقّقت بعض أهدافها في تعطيل الملاحة الجويّة في مطاريّ دبي وأبوظبي، وأشعلت الحرائق في خزّانات للوقود في مصفاة تابعة لشركة “أدنوك” النفطيّة العملاقة.

الإسرائيليّون مِثل دودة “العلق” التي تلتصق في حلق ضحاياها، وتمتصّ دماءها، ويَصعُب التخلّص منها إلا بجُهدٍ جهيد، فبمُجرّد فتح الأبواب، ولو مُواربةً لهم، يتفنّنون في الابتِزاز، وبَذْر بُذور الفتن، وخلق المشاكل والأزمات، وعدم الاستِقرار للدّول والحُكومات المُطبّعة معهم في مُحيطها الإقليمي، وهذا ما يُفسّر التّكالب على زيارة الإمارات، التي دخلها أكثر من مئتيّ ألف إسرائيلي مُنذ توقيع اتفاقيّة ما يُسمّى “سلام ابراهام” بضَغطٍ أمريكيّ في أيلول (سبتمبر) عام 2020، وخلق هؤلاء من المشاكل أكثر بكثير ممّا حقّقته الدّولة المُضيفة لهم من أرباح ومكاسب، والصّحف العبريّة طافحةٌ بالأمثلة عن سُلوكيّات هؤلاء السيّاح من جرائم سرقة، ونصب، ومخدّرات، وغسْل أموال.

كان لافتًا حِرص الضّيف الإسرائيلي هرتزوغ على “التّنديد بالهجمات الصاروخيّة الحوثيّة التي استهدفت دولة الإمارات، وإدانة أيّ اعتِداء على سِيادتها من قِبَل الجماعات الإرهابيّة، والتّأكيد على استِعدادها للتّجاوب مع مُتطلّباتها الأمنيّة”.

لا نعرف ما الذي يُمكن أن تُقدّمه دولة الاحتِلال الإسرائيلي لحِماية الإمارات وأمنها واستِقرارها، وأن تنجح حيث فشلت الولايات المتحدة الأمريكيّة الدّولة العُظمى، فعندما استهدفت الصواريخ الباليستيّة الحوثيّة قاعدة “الظّفرة” في ابوظبي حيث يُوجد 3500 جندي أمريكي وبريطاني، وعشرات المنظومات الصاروخيّة لبطاريّات “الباتريوت” و”ثاد” الأكثر تقدّمًا، هرب هؤلاء الجُنود إلى المَلاجِئ إيثارًا للسّلامة.

الجيش الإسرائيلي الذي كانت حُكومته تتباهى بأنّه لن يُهزَم، هُزِم وأُهين عدّة مرّات، الأُولى عام 2000 عندما هرب من جنوب لبنان تقليصًا للخسائر، ومن جانبٍ واحد دُون اتّفاق، والثانية في حرب جنوب لبنان في تمّوز عام 2006، والثالثة في أيّار (مايو) الماضي أثناء معركة “سيف القدس” حيث استَجدى رئيس الوزراء في حينها ببنيامين نِتنياهو الرئيس جو بايدن للتوسّط لدى الحُكومة المِصريّة للتدخّل لوقف هذه الحرب في اليوم الحادي عشر.

فهل يستطيع هذا الجيش الذي يَبعُد عن أبوظبي أكثر من 1500 كيلومتر أن يحميها، ويُوفّر لها الأمن والاستِقرار؟ أو يتصدّى لأيّ “اعتِداء” إيراني مُفترض مثلما يتعهّد المسؤولون الإسرائيليّون؟

إنهم يبيعون الوهم للإمارات وكُل الدول العربيّة الأُخرى التي وقّعت اتّفاقات سلام معهم، ولا يثقون بهم، ويُريدون ابتِزازهم، وسرقة أموالهم، ومُحاولة تبديد قلق مُزدوج، الأوّل لبعض الإماراتيين، والثاني لمُعظم الإسرائيليين، من جرّاء تعاظم قوّة محور المُقاومة، وقُدراتها العسكريّة والصاروخيّة الهائلة والمُتقدّمة.

يوم الأحد كشفت مقالة للمُحلّل العسكري الإسرائيلي آلون بن ديفيد نشرها في صحيفة “معاريف” عن رفض الحُكومة الإسرائيليّة صفقة أسلحة بـ 3.5 مِليار دولار للامارات من بينها “القبّة الحديديّة” و”مِقلاع داوود” خوفًا من تسريب الأسرار التكنولوجيّة الحسّاسة لهذه المنظومات إلى ايران والحوثيين في اليمن، والأمر الذي دفع الإمارات للتوجّه إلى كوريا الجنوبيّة بحثًا عن بدائل.

هذا الرّفض يعني للوهلة الأُولى أن “الحليف” الإسرائيلي لا يثق بنظيره الإماراتي، وقُدراته على حِماية نفسه، والحِفاظ على هذه المنظومات وأسرارها، وعدم استِبعاده أيّ “الحامي” الإسرائيلي الجديد المُفترض، اجتِياح الإمارات واحتِلالها من طَرفٍ ثالث، والاستِيلاء عليها، أيّ الأسلحة الإسرائيليّة، وفكّ أسرار شفَراتها التكنولوجيّة.

هُناك سببٌ آخَر لا يجب تجاهله، ربّما يُفسّر الرّفض الإسرائيلي المذكور آنفًا إلى جانب الخوف على تسرّب أسرارها، وهو أن القيادة الإسرائيليّة لا تُريد التورّط في حرب اليمن، بشَكلٍ مُباشر وعلني، لأنّها تُدرك جيّدًا أن تقديمها أيّ مُساعدة، عسكريّة أو أمنيّة للإمارات، يعني أن عليها أن تتوقّع ردًّا انتقاميًّا صاروخيًّا فوريًّا في العُمُق الإسرائيلي، أو على سُفنها في البحر الأحمر (حيث تمر 80 بالمئة من صادراتها) من قبل حركة “أنصار الله” الحوثيّة، فالمسافة بين صنعاء وأبوظبي (1500 كم) هي نفسها بين صعدة وإيلات، ومن يستطيع ضرب الأُولى لن يتردّد في ضرب الثّانية في الوقت المُناسب أيضًا.

الرئيس الإسرائيلي من المُفترض أن يفتتح غدًا جناح “بلاده” في معرض “إكسبو” في دبي، وهو المعرض الذي حذّر بعض المُتحدّثين باسم حركة “أنصار الله” اليمنيّة بأنه أحد الأهداف المُتوقُعة للقصف الصّاروخي إذا ما استمرّ تدخّل الإمارات، وقوّاتها الحليفة في معركتيّ مُحافظتيّ مأرب وشبوة، فهل سيُعجّل هذا الافتِتاح بالقصف الانتِقامي لهذا المعرض؟

دولة الإمارات العربيّة المتحدة، ارتكبت خطأين استراتيجيّين في نظرنا، الأوّل التورّط في حرب اليمن قبل سبع سنوات، والثّاني توقيع اتّفاقات “سلام أبراهام” والتغوّل في التّطبيع مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي، وإذا كان التورّط الأوّل استِنزفها ماليًّا وبشَريًّا ومعنويًّا، فإنّ الاتّفاق الثاني بات يُشَكِّل تهديدًا وجوديًّا لأمنها واستِقرارها، خاصّةً في ظِل الهزائم الإسرائيليّة المُتوالية، وانسِحاب أمريكا الوشيك من الشّرق الأوسط برمّته بعد انسِحابها المُهين من أفغانستان، وقُرب الحسم سلبًا أو إيجابًا لمُفاوضات فيينا النوويّة، حيث من المُتوقّع أن تخرج إيران فائزةً في الحالين.

الانسِحاب من الورطتين” ما زال مُمكِنًا، ولو بشَكلٍ تدريجيّ، وهو الحَل الأمثل والأقصر، وبأسرعِ وقتٍ مُمكن، وقبل فوات الأوان.. واللُه أعلم.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: