ماذا أبقوا لإقامة الدولة الفلسطينية؟
عوني فرسخ
حين عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول بالقدس في 28/5/1964 لم تكن الضفة الغربية وقطاع غزة محتلين، ومع ذلك لم يتضمن الميثاق القومي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي أقره المجلس النص على إقامة دولة فيهما وإنما على تحرير الأرض المحتلة سنة 1948 وعودة اللاجئين. إذ جرى تشكيل المنظمة في مرحلة المد القومي العربي، وكان أحمد الشقيري، الذي صاغ الميثاق، وأغلبية الذين أقروه، مدركين استحالة تحرير الأرض وعودة اللاجئين، وتصفية الكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً وأوروبياً، من دون تكامل عربي حدّه الأدنى وحدة دول الطوق. فضلاً عن وعيهم لعدم امتلاك الضفة والقطاع مقومات إقامة دولة تامة السيادة. وهذا ما أوضحه الشقيري في إحدى خطبه سنة 1965.
وعندما صدر قرار مجلس الأمن رقم 242 في 22/11/1967 ونص على تخلي "إسرائيل” عن الأراضي العربية المحتلة مقابل موافقة العرب على حل شامل للصراع. رفضته فتح في بيان تضمن القول: "أقر مجلس الأمن بالإجماع المشروع البريطاني لحل أزمة الشرق الأوسط. هذا المشروع الذي وضع الجماهير العربية على مفترق طرق: فإما القبول بالاستسلام والإذلال والعار، وإما المقاومة الشجاعة ومواصلة الكفاح المسلح حتى يزول الاحتلال الجديد ويصُفًى الاحتلال القديم. ونحن كحركة ثورية تمثل ضمير الشعب العربي الفلسطيني نعلن رفضنا الحاسم لهذا المشروع الاستعماري الذي يحمل في طياته تصفية القضية الفلسطينية، وتثبيت الاحتلال الصهيوني في أرضنا، وإضفاء المشروعية على حدوده، وتأكيد الوصاية الدولية على قضية شعبنا، وإجهاض ثورة التحرير الفلسطينية. فضلاً عن تجاهله حقوق مليون لاجىء يعيشون في معسكرات الاعتقال في المنافي”.
وكان المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة التي عقدت بالقاهرة بين 10- 17/7/1968 قد شجب فكرة قيام كيان سياسي في الضفة والقطاع. وحول موقف فتح من فكرة الدولة قال صلاح خلف في تصريح لصحيفة الرأي العام الكويتية في 11/1/1971 "إن الثورة الفلسطينية ترفض الدولة الفلسطينية هذه، سواء كانت مطروحة أو غير مطروحة، لكونها تعني أن نوقع بأيدينا هزيمة العشرين سنة الماضية، ويراد منها أن تكون جسراً بين "إسرائيل” والدول العربية”.
وحين دعا عبدالناصر لمؤتمر قمة عربية عاجل بالقاهرة لمعالجة تفاقم حدة صدام الجيش العربي الأردني مع قوات الثورة الفلسطينية، وللحيلولة دون استغلال الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” لنزاع شركاء المسيرة والمصير، فإنه لدى استقباله عرفات يوم 27/9/1970، سأله: هل باستطاعتكم تحرير الأراضي الفلسطينية بقدراتكم الذاتية أجابه: ولا بعد ثلاثين سنة.
وفي أعقاب حرب 1973 اعتمدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات، وتنظير محمود عباس، حوار الصهاينة ومفاوضتهم خياراً استراتيجياً، استناداً لتصور بعض قادة فصائل المقاومة بأنه ستعقب الحرب تسوية تؤدي لانسحاب "إسرائيل” من بعض الأرض المحتلة، وأن المنظمة أولى بتسلم الأراضي التي سيتم انسحابها منها في الضفة والقطاع وإقامة سلطة عليها، وأنه ليس بالمستطاع تسويق المنظمة دولياً إلا باعتماد المرحلية والانسجام مع الأنظمة العربية في موضوع إزالة آثار العدوان. وبعد جدال جرت صياغة برنامج النقاط العشر الذي أقره المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة في يونيو/ حزيران 1974. وفي السعي للترويج للتحول الجديد في سياسة المنظمة طرح شعار إقامة الدولة على أي جزء من الأرض تنسحب منه "إسرائيل”.
وبوضوح التحول لاعتماد المفاوضات والعمل الدبلوماسي اعترف مؤتمر القمة في الرباط بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً لشعب فلسطين. ودُعي عرفات لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حيث رفع شعار البندقية وغصن الزيتون، ودعا لإقامة الدولة الديمقراطية.
وعليه صارت غاية العمليات الفدائية، مهما عظم آداؤها وعدد شهدائها وجرحاها، وما خلفوه من أرامل وأيتام وثكالى مجرد تحسين ظروف تفاوض قيادة حركة فتح، صاحبة الدور الأول في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكذلك جرى التعامل مع حراك قوى الممانعة في الضفة والقطاع المحتلين، برغم تصاعد تأثيره على التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني. والمثال الأبرز الموقف من انتفاضة أطفال الحجارة في الضفة والقطاع، التي تفجرت في 9/12/1987 وتواصلت أربع سنوات من دون أن تستطيع آلة الحرب الصهيونية قمعها.
والجدير بالتذكير به أنه قبل انقضاء شهر على انطلاقة الانتفاضة حتى أعلن تشكيل "القيادة الوطنية الموحدة” للانتفاضة بمشاركة ممثلي فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والجبهة الشعبية - القيادة العامة، والجهاد الإسلامي، والشيوعيين المحليين. بحيث تحققت وحدة فصائل المقاومة على نحو غير مسبوق. فضلاً عن تحقق أوسع جبهة وطنية ضمت الأغلبية الساحقة من المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والعقائدية. وكانت قد تشكلت "اللجان الشعبية” التي تولت إدارة الشؤون العامة في جميع المدن والقرى. وأقيمت "اللجان الضاربة” التي تولت متابعة عدم الالتزام بتعليمات القيادة الوطنية الموحدة، وملاحقة العملاء الذين لم يعلنوا توبتهم. فضلاً عن إبداعات شعب الصمود والتصدي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية بما حقق قدراً من الاكتفاء الذاتي.
وكانت الانتفاضة قد جعلت من الأرض المحتلة مسرح الصراع الأساسي، وحدَت بالتالي من قدرة "إسرائيل” على نقل عدوانها إلى جوارها العربي. وحيث استقطبت أجهزة الإعلام العالمية متعددة الجنسيات، يكون جيل الانتفاضة قد عَرى العنصرية الصهيونية وفضح زيف الادعاء بأن "إسرائيل” واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
وفي ذروة الانتفاضة، وتعاظم تأثيرها عالمياً، دعت قيادة المنظمة لاجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 ليصدر ما أسموه "إعلان الاستقلال” الذي أريد به تغطية خطاب عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، حيث أعلن قبول قراري مجلس الأمن 242 و 338. وليعقب ذلك المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه الاعتراف بحق "إسرائيل” في الوجود. ويذكر شفيق الحوت في مذكراته أن أحد كبار رجال الأعمال الفلسطينيين تولى ترجمة مطالب وزير الخارجية الأمريكية شولتز التي التزم بها عرفات في مؤتمره الصحفي.
وفي "مفاوضات” أوسلو التي انتهت بتوقيع محمود عباس مع رابين قسمت الضفة لثلاث مناطق، بحيث تكون سلطة حكم الذات مسؤولة عن إدارة المنطقة (أ) ومساحتها 18% من الضفة، فيما قاربت الأراضي المغتصبة المقامة عليها المستوطنات 50% من الضفة. والسؤال بالتالي: ماذا أبقى الذين اعتمدوا المفاوضات خياراً استراتيجياً من الأرض ليقيموا عليها "دولة” قابلة للحياة؟ سؤال نترك الإجابة عنه للجيل الجديد من أشبال فلسطين الذين من المؤكد أن يبدعوا ما هو أعظم وأجل من انتفاضة أطفال الحجارة.