kayhan.ir

رمز الخبر: 141849
تأريخ النشر : 2021November28 - 20:08

الموقف الإسرائيلي قبيل استئناف مباحثات فيينا

وسام أبو شمالة

تتباين المواقف داخل الحكومة الاسرائيلية، وبين المستويين السياسي والعسكري، حيال الملف النووي الإيراني.

تعقد اليوم  الإثنين المقبل جولة من المحادثات بين إيران والقوى العظمى حول الملف النووي الإيراني، وهي الجولة السابعة في عهد الإدارة الأميركية برئاسة جو بايدن الذي تولى منصبه منذ نحو عام.

يعتبر العدو الإسرائيلي أن إيران مصمّمة على تطوير قدراتها العسكرية وتنويعها، لتشكل في مجموعها تهديداً يصبح وجودياً إذا أصبحت دولة نووية.

تختلف السياسات الإسرائيلية تجاه الملف النووي الإيراني من حيث الشكل والأسلوب، وتتفق من حيث الهدف الرئيسي، وهو منع إيران من دخول نادي الدول النووية.

سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو تجاه الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، اتّسم بالمعارضة العلنية لسعيها إلى عقد اتفاق مع إيران، ولجأ نتنياهو في حينه إلى الوسائل كافة، لعرقلة توقيع هذا الاتفاق، منها تحريك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، واللجوء إلى الكونغرس الأميركي، وإلقاء خطاب على منصّته هاجم فيها سياسة أوباما تجاه الملف النووي الاإراني.

نجح نتنياهو في إقناع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في الانسحاب من الاتفاق الذي تم توقيعه في عهد سلفه أوباما، عام 2015، وأعاد سياسة العقوبات الاقتصادية على إيران، وزاد من مستواها. ولم تكتف إدارة ترامب باستخدام الأداة الاقتصادية للضغط على إيران، بل استخدمت الأداة العسكرية، ونفّذت عملية اغتيال لقائد قوّة القدس الفريق قاسم سليماني، ومع ذلك لم ينجح نتنياهو في إقناع صديقه ترامب بشن حرب عسكرية على إيران بهدف تدمير منشآتها النووية.

شعر الرئيس بايدن بالارتياح لإزاحة نتنياهو عن الحكم في "إسرائيل"، نتيجة سلوكه "المشاكس" لسياسة الولايات المتحدة في الملف الإيراني، علماً بأن بايدن تولى منصب نائب الرئيس في عهد أوباما، وشاهد عن قرب المعارضة الحادة والعلنية لنتنياهو، التي توّجت بخطابه الشهير من على منصة الكونغرس.

تلقى الرئيس بايدن وعداً من رئيس وزراء العدو نيفتالي بينيت بأن لا يكرّر أسلوب نتنياهو، وأن يعالج الخلافات حول الملف النووي الإيراني في الغرف المغلقة، ولكن يبدو أن هذا الوعد لم يصمد أمام ضغوط قواعد اليمين الصهيونية، والنقد الحاد من المعارضة الإسرائيلية التي وصلت إلى المزايدة على موقف حكومة بينيت، ومقارنتها بمواقف نتنياهو "الشجاعة" في معارضة التوجهات الأميركية لإبرام اتفاق حول ملف إيران النووي.

تتباين المواقف داخل الحكومة الاسرائيلية، وبين المستويين السياسي والعسكري، حيال الملف النووي الإيراني، مع وجود شبه إجماع على عدم مقدرة "إسرائيل" الذاتية على مهاجمة إيران عسكرياً، بهدف تدمير برنامجها النووي، لإدراكها التعقيدات العملياتية، وخشيتها من التبعات وردود الفعل التي قد تدخلها عملية استنزاف طويلة الأمد مع إيران ومحور المقاومة في المنطقة، لذا سعى نتنياهو "لتوريط" الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في هذا المسار، وربما حاولت دول خليجية الدفع بهذا الاتجاه.

المستوى العسكري والأمني الإسرائيلي لا يرغب، وغير قادر على تحمّل تبعات حرب مع إيران، ويلجأ إلى الأدوات والوسائل الأمنية والاستخبارية بهدف عرقلة مسار البرنامج النووي الإيراني وإعاقته.

نجح العدو من الناحية التكتيكية في إعاقة خطط إيران لتطوير برنامجها النووي، لكنه فشل استراتيجياً في الحدّ من تصميمها على استكمال المسار ومواجهة التحديات والتغلب على العراقيل والمعوقات، وبدأ عدد من الأصوات يوجّه اللوم لسياسة الحكومة الإسرائيلية التي دفعت إدارة ترامب السابقة إلى الانسحاب من الاتفاق مع إيران، ما أتاح لها الفرصة لتجاوز الاتفاق، وأصبحت أقرب للوصول إلى العتبة النووية، بعد أن زادت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% بدلاً من 20%، وقد تصل إلى 90%، وتمكنت من تجاوز العقوبات الاقتصادية ومعالجة الأزمات الداخلية وتعزيز نفوذ المحافظين على حساب التيار الإصلاحي، وهو ما أفرزته نتائج الانتخابات الأخيرة.

نفّذت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عدداً من العمليات التي نجحت عبرها في تعطيل نسبي ومرحلي للبرنامج النووي الإيراني، بينما فشلت في إحباط البرنامج، أبرزها عمليات الاغتيال لعدد من العلماء الإيرانيين، أهمّهم محسن فخري زاده، أواخر عام 2020، وهو كبير علماء الذرة في إيران، كما أعلن الموساد الإسرائيلي في نيسان/ أبريل عام 2018 أنه نجح في سرقة الأرشيف النووي الإيراني، ونفّذ عدداً من عمليات التخريب السيبرانية، مثل الهجوم على منشأة نطنز النووية، وغيرها.

حاول المستوى العسكري الإسرائيلي تبرير فشله في وقف البرنامج الإيراني، وعدم قدرته على تدميره عسكرياً، بأنه قادر على التعايش مع اتفاق نووي مع إيران، وهو الموقف الذي عبّر عنه وزير الحرب بيني غانتس، في تصريحات سابقة في سبتمبر/أيلول الماضي لمجلة فورين بوليسي الأميركية والمتخصصة في الشؤون الاستخبارية والعسكرية، بأن "إسرائيل" "تستطيع التعايش مع اتفاق نووي جديد مع إيران"، وقال "قد نرضى في المستقبل بالعودة إلى اتفاق نووي مبرم بين الولايات المتحدة وايران"، "لكنّ المسؤولين الإسرائيليين يضغطون في الوقت نفسه على الولايات المتحدة للإعداد الجدّي لإظهار القوة في حال فشل المفاوضات مع طهران"، وهو بذلك يُلقي الكرة مجدداً في الملعب الأميركي، دبلوماسياً وعسكرياً، وهو يسعى لتحقيق هدفين: الأول، التعبير عن موقف "الجيش" الإسرائيلي، والثاني كسب ثقة الإدارة الأميركية بهدف تأكيد أهليّته لقيادة الحكومة الإسرائلية في المستقبل.

تتبنّى أحزاب الوسط واليسار داخل الحكومة الاسرائيلية مواقف لا تتعارض علانية مع الموقف الأميركي، وتدعو إلى أخذ المعايير الإسرائيلية في أيّ اتفاق مع إيران، ولا تتبنّى الخيار العسكري.

يحاول رئيس حكومة العدو، نيفتالي بينيت، تبرير الفشل في مواجهة الملف الإيراني، من خلال تحميل سلفه نتنياهو المسؤولية، وأنه تفاجأ من تقدّم إيران في برنامجها النووي، رغم كل ما كان يقال عن نجاحات في مواجهة البرنامج، ما يرجّح استمرار السياسة الإسرائيلية تجاه إيران، وعدم لجوء العدو إلى مغامرات عسكرية مجهولة النتائج والتبعات.

توصف الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها حكومة جمود، لا تستطيع بتركيبتها الحالية اتخاذ أيّ قرارات مصيرية وحاسمة، وتسعى إلى تجنّب الخلافات البينيّة داخلها، للحفاظ على أكبر فترة ممكنة لاستقرارها وبقائها، وهو ما يحدّ من الخيارات العسكرية ضد إيران. ورغم التعبير عن رفض العودة إلى الاتفاق النووي، لن تذهب الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بينيت أبعد من ذلك في توجيه انتقادات حادّة ضد إدارة بايدن، ولن يكرر الأخير سلوك سلفه نتنياهو تجاه إدارة أوباما.

في المقابل، تسعى إيران لإنجاز تقدم أكبر في برنامجها النووي، ولا تستعجل إبرام اتفاق لا يلبّي الحدّ المعقول من مطالبها، وتسعى إلى تثبيت معادلة ردع أمام الهجمات الاسرائيلية.