kayhan.ir

رمز الخبر: 14143
تأريخ النشر : 2015January27 - 21:13

أمريكا والتبرئة الاستباقية

خيري منصور

البعد المحذوف من معظم التعليقات حول الرفض الأمريكي لانضمام فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية، هو أن هذا الانضمام في حالة تحققه لا يحاكم الجنرالات من مرتكبي المجازر بأثر رجعي، بل بدءاً من قبول الانضمام ومعنى ذلك أن واشنطن تسعى إلى تبرئة الدولة العبرية مما سوف تقترفه من جرائم في المستقبل وهي ليست بحاجة إلى مثل هذه التبرئة بالنسبة لما حدث طيلة ستة عقود كانت مسلسلاً دموياً بلا انقطاع داخل فلسطين وفي الشتات أيضاً فإن يد الإرهاب استطالت لتطارد وتقتل فلسطينيين في بيروت وتونس وعدة عواصم أوروبية.

إنه إذاً دفاع استباقي عما سوف يحدث ومعنى ذلك دون مواربة هو أن الولايات المتحدة تعلن انحيازاً سافراً لمرتكبي جرائم ضد الإنسانية، وهذا بحد ذاته يضع كل ما صدر عن واشنطن وبالتحديد عن إدارة أوباما في موضع شك، خصوصاً بعد أن اتضح ميدانياً أن الولايات المتحدة تتعامل مع معظم الظواهر والوقائع بمعيار مزدوج فما هو جريمة في مكان يتحول إلى فضيلة في مكان آخر.

ما يفقد الأطروحة صدقيتها، وما صرح به مسؤول أمريكي مؤخراً حول عدم أهلية فلسطين للانضمام إلى هذه المحكمة لأنها ليست دولة، يفتضح الإصرار الأمريكي على الحيلولة دون تحول السلطة إلى دولة، وإشهار الفيتو لمنع هذا التحول، وليس جديداً القول إن تناقضات الولايات المتحدة وازدواجية خطابها بدأتا تثيران الشكوك حتى في داخلها حول جدية ما تبشر به من أفكار فما تمارسه هو على النقيض مما تقوله، لهذا فهي الأجدر والأولى بتنفيذ مواعظها لكثير من دول العالم والتي تتجسد في مقولة متكررة هي: "نريد أفعالاً وليس أقوالاً”.

ويتساءل الرأي العام في معظم أنحاء هذا الكوكب الآن عن سر استثناء القتل للفلسطينيين وترويع أطفالهم من الأيقونة الأمريكية، وإن كان تفسير هذا الاستثناء بكل ما ينطوي عليه من ظلم ليس عسيراً، لأنه المعادل الموضوعي لانحيازها الأعمى لتل أبيب، أما التهديد المتكرر سواء بحجب المساعدات أو السطو على ضرائب الفلسطينيين فهو يكشف عورة البرغماتية عندما تصبح ذئبية وتسقط من حسابها كل ما له صلة بالإنسانية وحقوق البشر.

وحين أصدر بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق كتاباً عن إضاعة أمريكا للفرص التاريخية، كان عليه أن يضيف هذه الفرصة المتعلقة بالحق الفلسطيني، لأن موقف واشنطن سواء تعلق بإعلان الدولة، أو الانضمام إلى المحكمة الدولية، سيبقى ندبة غير قابلة للاندمال في جبينها.