kayhan.ir

رمز الخبر: 141427
تأريخ النشر : 2021November21 - 20:31

شوقي عواضة

حريّة التّعبير هي حقّ إنسانيّ كفلته الدّيانات السّماويّة قبل القوانين الوضعيّة، وقد شكّلت منطلقاً أساسيّاً للكثير من الشّعوب والأمم لتقرير مصيرها، فالحريّة هي مدماك بناء الأوطان لا خرابها، وبها تتحقّق سعادة البشريّة لا شقاؤها، وتخرجها من ذلّ العبوديّة وتحرّرها من استبداد الظّالم، وهي السّلاح الذي تحرّر به الأوطان من نير الاحتلال، وهي السّياج الذي يحمي الوطن.

ذلك هو مفهوم الحريّة الذي نصّت عليه الشّرائع والقوانين لا سيّما حرّيّة التعبير التي نصّ عليها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان على أنّها حقٌّ ليس مطلقاً، خاصّة أنّ الدّيمقراطية ضمنت حريّة التّعبير ضمن قيودٍ صارمةٍ في حالاتٍ معيّنةٍ مثل المسّ بالأمن القومي أو التّحريض وبثّ خطاب الكراهيّة أو إشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد أو خدمة أعداء الوطن.

وقد حدّدت الفقرة الثّالثة من المادّة التّاسعة عشرة من الإعلان العالمي الشّروط التي يمكن بموجبها تقييد حرّية التّعبير بشكلٍ مشروعٍ وقانونيٍّ يخدم الشّعب ولا يمسّ بسيادة الدّولة كما يلي:

1 ـ احترام حقوق الآخرين وسمعتهم.

2 ـ حماية الأمن القومي

ولطالما شكّلت حرّية التّعبير السّلاح الأكبر للأمم، إمّا أن تكون سلاحاً دفاعيّاً عن الوطن أو سلاحاً فتنوياً مهمته التّخريب والتّشتيت والتّدمير كما شاهدنا بعض وسائل الإعلام ودورها في ما سمّي (بالرّبيع العربي) وكيفية تحوّلها إلى أبواقٍ وأدوات ارتزاق لا تقلّ خطورةً بدورها عن المنظمات الإرهابيّة كداعش وغيرها، بل كانت أداةً قتاليّةً في مشروعهم الإرهابي.

ولعلّ الكثيرين يناقضون ما أقول بل وأغلبيتهم يتغنّون بالحرّيات الغربيّة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركيّة متجاهلين تاريخاً طويلاً من القمع الغربي والأميركي للإعلام، وفي هذا الصّدد يقول أحد كبار الصّحافيين الأميركيين في العقود الخمسة الماضية أنتوني لويس مؤلّف كتاب (حرّية الفكر التي نكرهها) بعد استعراضه للتّاريخ الطّويل لحريّة التّعبير في الولايات المتحدة، يشير في كتابه إلى أنّ هذا التّاريخ كان مضطرباً، وأنّ الرّؤساء الأميركيين منذ عهد جون آدامز وحتّى جورج بوش كانوا يتعاملون مع الأزمات، وأثناء فترات الخوف، باتخاذ تدابيرَ مجحفةٍ كانت تؤدّي إلى حجب الآراء المعارضة وقمع حرية التّعبير التي يرونها غير مرغوبة شعبيّاً.

أمّا التّاريخ المعاصر للحريات في بلاد العم سام فلا تزال شواهده على مواقع التّواصل خلال فترة الانتخابات الرّئاسيّة الأميركيّة بين دونالد ترامب وجو بايدن حيث أقدمت منصّات التّواصل الاجتماعي وفي مقدّمتها «تويتر»، على حظر وإغلاق حسابات ترامب والمئات من مناصريه عقب اقتحام الكونغرس رفضاً لخسارته انتخابات الرّئاسة نتيجة التّحريض الإعلامي الذي شهدته الحملة الانتخابيّة واستدعت نزول الجيش والشّرطة الأميركيين لقمع المتظاهرين وإخراجهم من الكونغرس بالقوّة واعتقال البعض منهم.

أمّا في لبنان فقد دأبت وسائل إعلام ومواقعُ وقنواتُ المشروع الأميركي وفي مقدّمتها قناتا «مر تي في» و»الجديد» على تبنّي ما سمّي بـ «ثورة» 17 تشرين الأول 2019 كحركةٍ مطلبيّةٍ تبنّتها منظماتُ الـ ngos بتمويلٍ أميركيٍّ سعوديٍّ ما لبثت تلك الثّورة أن تحوّلت إلى مطالبةٍ بإسقاط سلاح المقاومة بتغطيةٍ إعلاميّةٍ لا مثيل لها من تلك القنوات، ورغم فشلها في تحقيق هدفها تحوّلت في ما بعد إلى أدوات تدميرٍ للسّلم الأهلي وتفتيتٍ للوطن مستكملة تنفيذ الأجندات الأميركيّة السّعوديّة في ظلّ فرض العقوبات الأميركيّة على لبنان والأزمة الاقتصاديّة المتفاقمة بغياب الرّقابة والمحاسبة القانونيّة والإعلاميّة لتلك الوسائل التي بدأت بالتّهكّم والتّشويه والتّنمّر على بيئة المقاومة التي تشكّل طيفاً كبيراً من أطياف لبنان، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك من خلال البدء بزراعة ثقافة السّلام مع العدوّ بواسطة بعض البرامج، يدعون إلى عدم بثّ خطاب الكراهية وهم أصحاب الخطاب الأكثر كراهيّةً للمقاومة وبيئتها، يروّجون لثقافة السّلام وهم أكثر العابثين والمخرّبين بأمن الوطن والسّلم الأهلي، يدعون للإصلاح في الوطن الذي حوّله مرتزقة الإعلام المتأمرك والمتسعود إلى شركةٍ استثماريّةٍ.

فأيّ حرّية رأي وأيّ تعبيرٍ هذا الذي يريدونه على أنقاض وطنٍ؟ وأيّ إصلاحٍ يريدون إنجازه وهم أكبر الفاسدين والمفسدين. ووسط ذلك لا بدّ من الإشارة إلى الإنجازات التي حقّقتها تلك الحملات الإعلاميّة للبنان وشعبه منذ بداية الأزمة الاقتصادية وفرض العقوبات الأميركية وهي:

1 ـ إضعاف الدّولة وتهشيم صورة مؤسّساتها بدل دعمها.

2 ـ تأجيج الأزمات وإذكاء نار الفتن بين اللّبنانيين والاستثمار فيها.

3 ـ تقديم خدماتٍ مسبوقةٍ الدّفع للمشروع الأميركي «الإسرائيلي» السّعودي.

4 ـ محاولة تقليب الرّأي العام على المقاومة وبيئتها خدمة للعدو «الإسرائيلي».

كلّ ذلك يؤدّي إلى تدمير ما تبقّى من مؤسّسات الدّولة وإضعافها بالتّزامن مع حملة التّحريض الإعلامي المستمرّ على المقاومة وتحميلها المسؤوليّة بكلّ ما يجري والانزلاق نحو المواجهة وتدمير السّلم الأهلي والعيش المشترك. في ظلّ تشبّث المقاومة وإعلامها بعدم الانجرار الى حرب أهلية وتحقيق الأهداف التي يرنون إليها. وما جرى من شويا مروراً بخلدة ومجزرة الطّيونة يثبت حقيقة واحدة.

أنّ سلاح المقاومة الذي حرّر لبنان من أعتى احتلالٍ وحماه من امبراطوريات الإرهاب وأمرائه الذين يدعمونكم اليوم… أثبت بأنه عنصر قوّة إضافيّة لحماية لبنان ووحدته أرضاً وشعباً. وقبل أن تدّعوا أنّكم أحرار الرأي تحرّروا من عبوديتكم وكونوا أحراراً في دنياكم وامسحوا عار تنمّركم على أشرف النّاس بقول نيلسون مانديلا «ليس حراً من يُهان أمامه إنسانٌ، ولا يشعر بالإهانة».

عودوا أذلاء فما أنتم وأسيادكم إلّا أضغاث أحلام كالاحتلال إلى زوالٍ.

اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: