من السراب الى الماء
حسين شريعتمداري
1 ــ غمرت رحمات الباري تعالى العلامة محمد تقي الجعفري، والذي كانت له مراسلات مع الفيلسوف البريطاني الشهير "برتراند راسل" حول بعض المسائل الفلسفية والعقائد الاسلامية. واذ ينتمي راسل لمذهب اهل الشك SCEPTICISMكاتبه المرحوم العلامة ليقول له؛ انت في موضوع الالهيات اكثر منا ايمانا، فنحن نكفر بالاله الذي تنعته فيما تتردد انت في وجوده!
وكان الاستاذ يردد هذه الابيات في درسه لطلبة الجامعات، بعد ان نقل لهم ما تبادل بينه والفيلسوف البريطاني؛
يا ايها الرسام لصور الوجوه
اذهب وانظر وجه الحبيب
فاما ترسم هكذا صوره
والا ليس لك من الرسم نصيب
2 ــ التخيل ــ IMAGE MAKING ــ واحدة من الحيل المؤثرة في المحاولات النفسية. فاهمية هذه الممارسة الفنية ومعدل تاثيرها بدرجة ان الكثير من المنظرين واساتذة الحرب الناعمة يصنفونها في خانة العمليات النفسية المهمة، وحسب مارك دافيلد، فان محاولات العمليات النفسية تكون فاعلة حينما تؤدي الى ارضاخ مخيلة الفرد اوالجماعة.
والتخيل هو صورة غير حقيقية لواقع يسعى ارباب الحرب الناعمة ادراجها في مخيلة الخصم بدلا عن الحقيقة.
3 ــ بعد ان بدأت الحرب المفروضة، سأل سماحة الامام (رضوان الله عليه) في خطابه لبابا زعامة المسيحيين الكاثوليك؛ "لو كان المسيح عيسى (عليه السلام) حاضرا، فهل كان يصطف الى جانبنا ويدعمنا ام الى جانب اميركا؟! وبقي سؤال الامام دون رد من قبل البابا، وحينها قال (فخر الدين حجازي) ممثل اهالى طهران، الذي قدم الرسالة بمعية بعض نواب المجلس، للبابا؛ ان البابا اكتفى بعد سماعة للرسالة (OHE JESUS CHRIST) آه يا عيسى المسيح. فيما تجنبت الصحف الالمانية والبريطانية والفرنسية والايطالية تسليط الضوء على تداعيات رسالة سماحة الامام (ره). فالسيد محمد كيارش ــ سفير ايران لدى النمسا حينها ــ توجه الى صحيفة محلية، بعد ان يئس من اقناع الصحف الالمانية والنمساوية لنشر رسالة الامام، وبتقديمه مبلغا، حصل موافقة مبدأية من مسؤول الصحيفة ان ينشر الرسالة على شكل دعاية اعلامية، الا ان مدير الصحيفة اعتذر في اليوم التالى لعدم السماح له بنشر الرسالة!
في تلك الايام أي نهاية عام 1980، دعيت وبعض الاخوة من قبل الاتحاد الاسلامي لطلبة الجامعات في اوروبا للمشاركة في الاجتماع السنوي للاتحاد في المانيا. فشاهدت في احدى شوارع هامبورغ شابين مسيحيين يوزعان منشورات تدعو للدين المسيحي ويوضحان للمارة متونها. فاستوقفهم المهندس (يوسف فروتن)، وكان حينها يدرس في المانيا ويتقن الالمانية، ليحادثهم عن الحرب المفروضة وعن الثورة الاسلامية الايرانية. فقلت له؛ اسألهما لو كان المسيح (ع) حاضرا هل كان سيدعمنا ويقف لجانبنا ام الى جانب اميركا؟ وكنت اتصور انهما سيقولا؛ الى جانب اميركا. الا ان الشابين اطرقا بعد ان سمعا السؤال وسرحا في الفكر، وبعد لحظات اجابا بصدق؛ " لا ندري دعونا نفكر اكثر، المسيح، انتم ام اميركا؟! فالاجابة ليست يسيرة"! فبادرهم الاخ (فروتن)، ان هذا تساؤل الامام الخميني من البابا، اذ لم تسمح وسائل اعلامكم نشرها.
4 ــ لامامنا المظلوم ا لشهيد امير المؤمنين على عليه السلام مقولة مضمونها (الناس اعداء ماجهلوا) أي ان الناس تعادي شيئا قد اخذوا عنه فكرة خاطئة ــ أي الوهم ــ.
فهذا الوهم والتصور الخاطئ وحتى النقيض للواقع يمكن الاشارة له في فترة الامام على (ع). حتى بلغ بالناس الامر انه حين ضرب الامام في المحراب في مسجد الكوفة، تعجب اهل الشام لهذا الامر متسائلين، وهل كان على يصلي كي يضرب في محراب المسجد؟!
5 ــ الاعلامي الاميركي الشهير (جيمز ماكوي) في الفترة (1960 ــ 1980)كان ينتقد زملائه الاعلاميين انه بدل ان يعكسوا حقائق حرب فيتنام والجرائم التي ترتكبها اميركا هناك، يقومون بنشر اخبار وهمية عن الشعب الفيتنامي وانه شعب مستضعف وداعم لاميركا، كما ويسطر هؤلاء المراسلون في الصحف الامال الضائعة للجنرالات الاميركان. في تلك الايام كان (هربرت ماركوزه) من انصار مدرسة فرانكفورت، يواسي (جيمز ماكوي) بان مسار نشر الاخبار في اميركا لا يبقى الى الابد باتجاه واحد، ومع صحوة الشعب سيتحول الى طريق ذو اتجاهين.
لقد كان حدس (ماركوزه) صائبا، الاانه كان يتصور ان ما يرد على الطريق من الجانب الاخر هي التعاليم الماركسية! فقد كان يجهل انه بعد الثورة الاسلامية ستنهار الماركسية، وستعلو قامة الاسلام باقتدار في قبال الامبريالية العالمية، بعد ان تذهب الماركسية الى مزبلة التاريخ، وهو ما نشهده ا ليوم.
6 ــ يذكر انه بعد ان اضحى طريق الاعلام باتجاهين ــولو نسبيا ــ دخل مصطلح الاعلام بالمنظار الاسرائيلي الى الثقافة الاعلامية في العالم ISRAELITE MEDIA METHOD . هذا الاصطلاح يطلق على الاعلام الذي لايعير لاعتباره الاعلامي أي اهمية، وهي كالنظام الصهيوني، الذي رغم معرفته بان المخاطب يعلم باكاذيبه واخباره الملفقة الا انه لا يكف عن ترديد الاكاذيب.
ان دخول هذه المصطلحات في ثقافة الاعلام، قد القت مساحات من الضوء لايقاظ الرأي العام قبال التخيل الاعلامي، وان طريق الاعلام يتحول رويدا رويدا من حالة الانحصار على مسار واحد الى قبول مسارين، او في طريقه للتحول.
7 ــ ان الاسلوب الامثل لمواجهة حالة التخيل، هي دعوة المخاطبين لمراجعة الحقائق دون أي واسطة. اذ بهذه الطريقة يمكن للمخاطب درك الحقيقة كما هي.
وحري بنا ان نقول بهذا الخصوص.
انه لاجل العبور من سحب التوهم وهداية المخاطب من الخيال الى الحقيقة ــ وبعبارة اخرى من السراب الذي يشبه الماء الى الماء الذي هو حقا ماء ــ هنالك طريقان مشخصان امامنا.
الاول: اظهار صورة حقيقية وواضحة عن الواقع، بحيث يخرج المخاطب من الوهم حين يقارن هذه الصورة الحقيقية مع التخيل. واكثر ما يستفاد من هذه الطريقة في المحافل الاكاديمية، اذ ان هذا الامر يفتقر للتحقيق والبحث المطول، وهو ما لايقدر عليه الفرد الاعتيادي، لاسيما اذا كان التخيل بحجم كدس من الاعلام المضلل.
الثاني: وهو ما يتضاعف معدله ويعتبر من اكثر الطرق تاثيرا، في دعوة المخاطب ان يراجع الواقع بشكل مباشر. ان هذه الطريقة وان كانت الاكثر تاثيرا وفاعلية الا ان (دعوة المخاطب) لوحده لايمتلك تلك الفاعلية، اذا اول تساؤل يخطر في ذهن المخاطب ويخلق لديه البحث عن الاجابة هو؛ ما هي ضرورة المراجعة؟!
وان المراجعة المباشرة للواقع أي حاجة ملحة للمخاطب ستلبي؟ وتبعد أي ضرر عنه وما النفع الذي توصله؟!
المقطع الثاني من هذه الطريقة والمكملة لها، وهي ليست تحيي لدى المخاطب الشعور بالمراجعة المباشرة للواقع وحسب بل ستشد المخاطب لكشف الحقيقة، وتتمثل في طرح اسئلة لها وثيق الصلة بحياة المخاطب وما ينفعه ويضره. وهو بحق اسلوب الحكماء الذي نتلمسه في الخطاب الاخير لقائد الثورة الموجه لشباب اوروبا واميركا الشمالية، الرؤية التي ملؤها الاخلاص والابوة، اقرأوا:
8 ــ فسماحة السيد القائد ولمكانته كزعيم الهي يحوز رؤية اشبعت نداءات الانبياء، لايمكنه مشاهدة اضلال وخداع قطاع واسع من الشباب في اوروبا واميركا، وان يتركهم ضحايا لهجمات ارباب الثروة والقهر والخداع، واذ يدعوهم في خطابه الاخير ا لتحرر من اسر الطواغيت المعاصرين، طالبا منهم ان يفرقوا بين الخبيث والطيب، والماء عن السراب، ويدعوهم ليراجعوا بعيدا عن الاوهام التي يختلقها الحكام البرابرة مصاصي الدماء حول الاسلام والثورة الاسلامية، وان يلتفتوا لهذه الحقيقة بشكل مباشر دون أي حجاب. حقا لم هذه المراجعة ضرورية الى هذا الحد؟
ان قائد الثورة يدلل على هذه الضرورة بالقاء تساؤلات، يندر ــ ان لم نقل يعدم ــ من يدعي استغناءه عن معرفة اجوبتها.
فالحديث بعيد عن هذا الذوق او ذاك او انتخاب هذا اللون لا ذاك، فالامر يتعلق بكيفية الحياة والحركة صوب الماء او السراب... فهل خطر على بالكم لم يعكس الساسة صورة مخيفة عن الاسلام؟ ولم نفس هؤلاء الساسة الذين يعادون الاسلام يمتازون بسيرة ذاتية توصف بالاستعباد وسفك الدماء واثارة الحروب وظلم الملونين، واثارة الحروب الكبيرة، والفرقة بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، وتكديس الثروات بثمن الفقر والعوز للشعوب ؟! او علمتم أي معارف وقيم في الاسلام التي تقف في وجه هذا الفصيل من المستبدين والبرابرة؟!