الدفاع عن المرجعية لا يتطابق وتوجهاتكم!
حسين شريعتمداري
1 ـ "عمليات التضليل" وكما معلوم من ما يطلق عليه هي عمليات الهدف الاساس منها، يختلف عن ما يعلن عنه في الظاهر وكذلك من مخرجاتها. وليست العمليات التضليلية منحصرة بالحروب العنيفة ومعسكرات القتال بل هي اوسع كثيرا في الحرب الناعمة.
وفي هذه المدونة نعرج على حالة من عمليات التضليل في الجانب العسكري. فلنفرض ان العدو يحاول مهاجمة احدى النقاط الحساسة والستراتيجية من جبهتنا ولمخادعة قواتنا وابعاد الاذهان عن تلك النقطة الحساسة الستراتيجية فهو يهاجم نقطة ليس بالهدف الاساس! وفي هذه الحالة فان قواتنا اذا اغفلت عن النقطة الحساسة ولم توضع خطة دقيقة للدراسة والتقييم لمقارنة النقطة التي تعرضت لهجوم العدو وبين النقطة الحساسة فيحتمل ان لا نلتفت ولا نولي اهمية للنقطة الحساسة ونعتبر عمليات التضليل حقيقية وبذلك نضخ كل قوانا لافشال الحملة غير الحقيقية. ونتصور ان العدو يقوم بعملية تضليلية وقمتم بمواجهتها وهممتم بملاحقة العدو وهنا تريثوا وانظروا من فوق للمشهد!
فيكون تصوركم انكم واجهتم الحملة وتلاحقون العدو! الا ان للعملة وجهة اخرى وهي ان العدو قد ضللكم ودفعكم لجركم وراءه ليبعدكم عن الهدف الاساس!
2 ـ وقد تحولت هذه الايام كلمات سماحة آية الله صافي كلبايكاني خلال استقباله للسيد قاليباف، الى موضوع شديد السجال. فقد قال آية الله صافي في هذا اللقاء: "ان توصيتي ان تكون لنا مع جميع دول العالم علاقات نابعة من العزة والاقتدار. فليس صحيحا ان نتقاطع مع كثير من الدول فهو يصب في غير صالح شعبنا العزيز. وان يكون استردادكم لحق الشعب بطرق عقلائية وبتعامل بناء...
فكثير من المشاكل التي نواجهها اليوم ستنجلي اذا سلكنا واحدة من سبل اصلاح الامور بان نحفظ مصالح البلاد ونتعامل مع العالم بعزة".
وإثر نشر هذا الخبر أعلن تيار سياسي سيئ الصيت وله تاريخ اسود في مواجهة المرجعية وبعض متبنيات الاسلام والثورة، وبشكل ينسجم مع الاعلام الغربي العبري العربي، وضمن التقدير لسماحة آية الله صافي (اذ لم يكن متوقعا منهم ذلك ولا يتوقع) اعلنوا ان ما يعنيه سماحته هو اقامة العلاقة مع اميركا (وحتى اسرائيل)! ومن الواضح والبديهي ان هذه التهمة لا تنطبق ومواقف سماحته وبعيدة كل البعد عن نهجه، لاسيما وان سماحته يؤكد على حفظ مصالح البلاد وانتهاج العقلانية والعزة والتعامل البناء في حديثه الذي نقل عنه.
ان آية الله صافي يعلم جيدا ان النغمة المعارضة للجمهورية الاسلامية الايرانية باتت تعزف من قبل اعداء الاسلام والثورة المعروفين، وهي مستمرة بكل حقد واستبداد. فاعداء ايران الاسلامية لطالما اعلنوا صراحة انهم سيكفون عن العداء مع ايران الاسلامية في حالة التسليم الكامل والشامل وتقديم البلد لهم. من هنا يمكن القول بضرس قاطع ان سماحة آية الله صافي الذي امضى دهرا في خدمة الاسلام، لا يقبل بتاتا بتسليم البلد لاعداء الاسلام والشعب الايراني المسلم، ومن دون اي شك فهو يعتبر ليس التقاطع وحسب بل عداء ايران مع الاعداء الذين ذكرناهم امراً ضرورياً.
3 ـ ان ايران في سياستها الخارجية تجنب وتتجنب اقامة العلاقة مع اميركا التي شُحنت اضبارتها بمئات الحالات من القتل والسلب وسفك الدماء والتآمر على ايران. وتعتبر من الضروري ازالة الكيان الصهيوني المجرم الغاصب قاتل الاطفال من جغرافية السياسة العالمية. ومن البديهي ان سماحة آية الله صافي لا يعارض هاتين الحيثيتين في السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية الايرانية ادنى اعتراض.
ومن جانب آخر فان سياسة ايران الخارجية تتماهى والقوانين والسياقات المتبعة دوليا في علاقاتها مع سائر دول العالم، وكأي دولة اخرى تتبع اسلوبها في التحفظ على بعض الموارد. وهذا الجزء من السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية الايرانية لا تتقاطع ورؤية سماحة آية الله صافي كلبايكاني. الى هنا لا نشهد من القضية اي مثال يتعارض مع السياق الشرعي والقانوني والمنطقي مما يتسبب وقلق سماحة آية الله صافي، اذن فما هي الحكاية ومن اين بدأت؟!
4 ـ ان الشبكة العنكبوتية للعدو والتي لها خيوطها للاسف الشديد في داخل البلاد، والذين اعتبرهم نتنياهو "اكبر رأسمال لاسرائيل" يتولون ادارة هذه الشبكة داخليا، تحمزوا مباشرة بعد تصريحات آية الله صافي، باعتبار كلام سماحته اعتراضا على قطع العلاقات مع اميركا، والتخلي عن الاعتراض والمواجهة مع الكيان الصهيوني! أي إلصاق امانيهم الضائعة ومن تبعهم في الداخل بسماحة آية الله صافي! ولا نتجاوز الحق ومع الاعتذار من المنزلة المبجلة لسماحة آية الله صافي لابد من القول، فان التصريح غير الدقيق لسماحته ما كان دون اثر في استغلاله من قبل التيار المذكور. رغم بعد مكانة سماحة آية الله صافي وتاريخه المشرف عن هذه الشائبة ومازالت.
5 ـ لاجل التعريف بالهوية الحقيقية للتيار سيئ الصيت المشار اليه الذين استغلوا هذه الايام تصريحات سماحة آية الله صافي، ويدعون زورا الدفاع عن المرجعية، فان من الضروري الاشارة الى عدة نماذج من المواقف المعلنة صراحة والتي هي غيض من فيض، فتميط اللثام عن الوجه الحقيقي لهذا التيار السياسي الرخيص. لنقرأ! "والقرآن كذلك يخضع للنقد العقلي والتجربي (!) ... واثبات حق الحوكمة لله بمعناه الحقوقي يتضمن اشكالات جمة(!) ... اذ ان آدم وحتى المعصومين، معرضون بشكل اصولي للانحراف تلقائيا دون اشراف البشر (!)... وان اقلام الفقهاء على طول التاريخ ملوثة بدماء المتنورين فكريا (!)... فرجال الدين يمتازون بالتفرد وانعدام التعمق. انهم يشيعون التسطيح ويدعون للتقلدين، ولا ينشروا التعقل (!) ... فكان الامام والشهيد نواب الصفوي يميلان للعنف (!) ... وتلك المجموعة من الشباب التي ترتاد المساجد او يطالعوا الكتب الدينية ضعفاء من الناحية الفكرية (!) ... فثقافة الشهادة تستتبع العنف (!)... وعلى طول تاريخ ايران كان رجال الدين طلاب السلطة (!)... وان التقليد من المراجع هو خصوصية القرد (!)..." ! ومئات النماذج الاخرى شبيهة بذلك! ونظرة عابرة للمواقف والرؤى المعلنة لهذا التيار اللاطلع لصحون الغرب، يعكس بوضوح ان ادعاءهم القلق للمرجعية! كذبة مفضوحة تتقاطع مع هوية هذا التيار الخائن للوطن، وهذا الادعاء قبل ان يكون مستغربا فهو يبعث على السخرية!
6 ـ على الجهة الاخرى من القضية يمكن مشاهدة العديد من ابناء الاسلام والثورة المتحرقين الذين لم يتخلوا عن ركب الثورة، وسجلوا حضورهم في جميع المواقف السيئة دفاعا عن الاسلام والثورة والشعب الايراني. وان هؤلاء لم يعرفوا ولا يعرفوا من السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية الايرانية غير الموردين المذكورين مثالا آخر من عدم التبادل مع الخارج، بهذه رؤية فهموا الحديث المذكور بانه يستوعب هاذين النموذجين، فانبروا بالنقد لتصريحات سماحته، وبالنظر لعدم دقة توجيهات سماحة آية الله صافي بالنسبة لهؤلاء الذين عاشوا العداء المتسلسل والجرائم المتتالية لاميركا الشيطان الاكبر وحلفائها من الغرب والعرب والعبريين ولم يكونوا قد سمعوا بها ورأوها وحسب بل استشعروها بلحمهم وبشرتهم فاعتمرت قلوبهم احزان اخوتهم وآبائهم الشهداء، من هنا لم يستسيغوا تصريحات سماحته، وان كانوا قد قدموا الاعتذار بالامس لسماحته في رسالة تعشقت بالاحترام. فيما اعلن بيت سماحته الموقر بانه غير عاتب وشاك من اي جهة او شخص.
7 ـ وحل الآن ضرورة اثارة التساؤل الآتي، هو ان التيار الملوث الرخيص هذا المشار اليه والذي ليس لا يعير ادنى اهمية للمرجعية وحسب بل يعرف بعدائه السابق والحاضر لهذه المؤسسة، باي دافع حشر نفسه في القضية معلنا دفاعه عن المرجعية؟! والاجابة نستقيها من المقطع الاول لهذه المدونة. فالتيار السياسي المشار اليه والقوى الخارجية المدافعين عن هذا التيار سواءعلى مستوى المنطقة او داخل البلد، ووجه بفشل ذريع، حتى استبدلت منطقة غرب آسيا الى شاشة عرض لمسلسل اندحارات اميركا واسرائيل.
ففي داخل البلاد انقضى عمر التيار المائل للغرب وادعياء الاصلاحات بملف ملؤه الكوارث والمطبات، مضطرين للانسحاب من ساحة الاقتدار.
فكانت القوى الخارجية واذيالها في الداخل بحاجة في هذه الحالة الى اجواء مناسبة للفرار من بيان فشلهم، فهم احوج الان الى مسائل ثانوية فكان هذا الهدف غير المبارك تقولب في مشاريع المخادعة والتضليل.